ملائكة الرحمة

نشر 10 سبتمبر 2008 | 12:41

ما قل ودل
ملائكة الرحمة

أخبرني صديقي أنه ذهب لمستشفى الشفاء بمدينة غزة مع زوجته المريضة بالسرطان لأخذ جرعة العلاج المقررة لها من قبل الأطباء، وعند وصوله لقسم الأورام لم يجد طبيباً أو ممرضاً لاستقبال زوجته المريضة، وحاول الاتصال مراراً ببعض الأطباء إلا أنهم أصروا على عدم الحضور، متذرعين بالإضراب، عندها أخذ زوجته وقفل عائداً إلى البيت دون علاج لمرض لا يحتمل التأخير في الحصول على الجرعات المحددة.

إن هذه الحادثة أثارت لدى الكثير من التساؤلات، هل وصل أطباؤنا إلى هذا الحد من الاستهتار بحياة المرضى من أبناء شعبهم؟ وهل هذا هو القسم الذي أدوه عند التخرج لأمانة المهنة المقدسة وقبل ارتداء الثوب الأبيض، والحصول على مسمى ملائكة الرحمة؟
وهل وصل الحال بالنقابات غير المنتخبة إلى أن تضع حياة المواطن الفلسطيني 'على الرف' دون الاكتراث بعشرات الأطفال والمرضى الذين سيموتون، ويزداد ألم من يبقى منهم على قيد الحياة، بينما يقف الطبيب والممرض المضرب ينظر إلى أكبر جريمة يشهدها قطاع غزة دون تحرك، أو حتى موقف جرئ استجابة لضمير حي كما فعل العديد من الأطباء والممرضين الذين قدموا نداء الواجب والأمانة على الاستجابة لإضراب مسيس يرمي أصحابه لتدمير ما بقي من قطاع غزة، وإضافة معاناة فوق معاناته اليومية.

دائماً نحمل الاحتلال الصهيوني مسئولية معاناتنا كشعب فلسطيني مقهور مظلوم على مدار مائة عام، وازدادت هذه المعاناة على أهالي قطاع غزة بعد الحصار الظالم المفروض منذ أكثر من عامين وصل إلى الدواء والماء والطعام، وشعبنا صابر محتسب لأنه يعلم أن طريق الحرية طويل، صعب وملئ بالأشواك التي عليه تحملها وتجاوزها بعد عضه على جراحه ليصل إلى الاستقلال وتقرير مصيره كباقي شعوب الأرض.

لكن أن يكون سبب معاناتنا أناس من أبناء جلدتنا، يتحدثون بلغتنا، ويدعون تمثيل شعبنا وحمل قضيته والدفاع عنها، فهذا أمر لا يمكن قبوله أو تحمله بأي حال من الأحوال، فمن يفرض على شعبنا معاناة فوق معاناته، إنما يتساوق مع الاحتلال بهدف تدمير روح المقاومة، والتسليم بالاحتلال كأمر واقع.

فالطبيب والممرض الذي يضرب إنما هو جزء من هذه المعاناة، وكل مريض أو طفل يتألم لعدم وجود من يخفف ألمه، أو يموت بسبب إضراب باطل، إنما هو أمانة في عنق كل من عليه الدوام ولم يلتزم، فلا حجة أو مبرر لأي من المضربين خاصة بعد التزام الحكومة في غزة بتأمين الرواتب المقطوعة، والحفاظ على المدخرات المستحقة.

إن ما يجري اليوم من إضراب موظفي الصحة لا يمكن تصوره ولم يحدث في أي من دول العالم، فعند وجود مطالب مشروعة للموظفين يتم المطالبة بها عبر النقابة المنتخبة، ثم يكون تعليق محدد للعمل، وحتى لو وصل الأمر إلى الإضراب لا يتم تعطيل العمل إطلاقاً، إنما يكون هناك عرقلة جزئية، فحياة المواطن أكبر وأسمى من هذه المناكفات السياسية.