وما الذي يدفع رجلاً اسكتلندياً وزوجته إلى تحمل مشقة السفر عبر حوالي خمسة عشر دولةً أوروبية وعربية وهما يقودان شاحنةً محملةً بالأدوية لقطاع غزة ليتفاجئآ بمنع السلطات المصرية لهما من دخول القطاع بعد نجاحهما في قطع كل هذه المسافة الشاسعة.
وما الذي كان يجبر السيدة ريشيل خوري على أن تأتي من حياة الرغد في بلدها أمريكا إلى مخيمات البؤس في رفح والتصدي بجسدها الأعزل لجرافات الموت الصهيونية في محاولة منها لمنع هدم منازل الفلسطينيين وتدفع حياتها ثمناً لهذه المحاولة بعد أن سحقتها الجرافة سحقاً.
هذه التساؤلات يمكن الإجابة عليها إذا انطلقنا من الحقيقة القائلة بأنه لا يزال في البشرية بقية من خير وعدل لا تنعدم بظهور الفساد وتفشي الظلم وكثرة الخبيث.وأن آلة القوة والجبروت لا تستطيع أن تخمد صوت الضمير.وأنه لا يزال للأخلاق متسع في عالمنا وإن طغت لغة المصالح وساد قانون الغاب. ولعل هذا بعض دلالات الآية الكريمة:'وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون'.
بينما يحضر الأجانب الأدوية والمواد الطبية لأهالي قطاع غزة ترشح تسريبات إعلامية عن خطة جهنمية أعدتها قيادة المنطقة السوداء في رام الله ضد قطاع غزة تنص بنودها على وقف الرواتب والمساعدات وتشديد الحصار ووقف تمويل وإرسال الوقود الصناعي لمحطة الكهرباء والطلب من كل البنوك الفلسطينية وقف كافة خدماتها وإغلاق أبوابها إلى إشعار آخر في القطاع ،ومنع تحويل الشواكل حتى تصبح العملات الأخرى بلا قيمة،بالإضافة لتحريض العالم على إرسال قوات عسكرية لاحتلال قطاع غزة.
هل بقي بعد هذه المعلومات الصادمة عاقل يؤيد هؤلاء ويعدهم فصيلاً وطنياً أو حتى يساوي خطيئهم بأخطاء سلوكية يمكن تداركها لفصائل أخرى ؟؟؟
أما نظام الحكم في الدولة العربية المجاورة لقطاع غزة فلا يخجل من تبرير جريمة استمرار إغلاقه معبر رفح وتسببه بإعدام حوالي مئتين وخمسين مريضاً حتى الآن-ولا زال العدد في ارتفاع مع كل يوم جديد، فتارة يبرر الجريمة بعدم التوافق الفلسطيني الداخلي،وكأن اختلاف الفصائل الفلسطينية يعفيه من مسئولياته الدينية والقانونية والقومية والإنسانية تجاه المرضى والعالقين في القطاع،وتارة يرجع السبب إلى اتفاقية لم يكن طرفاً في التوقيع عليها.رغم أن هذه الاتفاقية استنفدت مدتها بعد أن مدد العمل بها مرتين،ورغم أن الاعتبارات الإنسانية مقدمة على كل الاتفاقيات،فضلاً عن أن هذه الاتفاقية لا تلزمه بشيء لأنه لم يوقع عليها ويستطيع فتح المعبر من جانب واحد.
هذه الثغرة القانونية في وضع قطاع غزة التي استفاد منها الناشطون الأوروبيون تستطيع مصر أن تستفيد منها بشكل أكبر لعدم التواجد العسكري الصهيوني فيه بخلاف البحر وتقول بنفس المنطق بأنهم لن يطلبوا إذناً من الكيان الصهيوني بفتح المعبر لأنه لم يعد يحتل قطاع غزة.
لكن ماذا نقول إذا كان حرص بعض العرب على ذبح غزة يعادل حرص الاحتلال إن لم يكن يفوقه؟
أحمد أبو ارتيمة