"مبسوط يا مختار.. عاجبك يا مختار؟

نشر 09 يونيو 2026 | 22:58

في مشهد يستحق التأمل، قرر مختارنا الحبيب أن يطبق العدالة العائلية بمفهومها الخاص. مختار يرى أبناء العائلة جميعا بعين واحدة، لا فرق عنده بين من يقف في كل فزعة، ويحضر في كل موقف، ويحمل هم العائلة في السراء والضراء، وبين من لا يظهر إلا عند توزيع الغنائم.

هذا المختار الطيب القلب لا يريد أن يجرح مشاعر أحد، لذلك قرر أن يساوي بين الجميع. من لبى النداء في اللحظة الأولى ومن تجاهله، بين من حضر ومن غاب، بين من حمل العبء ومن حمل هاتفه فقط لمتابعة الأخبار. الجميع سواء.

ومع مرور الوقت وعندما أطلت الفرص والمشاريع والامتيازات برأسها، بدأ العرض الكبير.. تأمل أصحاب المواقف والتضحيات وظنوا بأنهم قد نالوا من المكانة ما يجعلهم يعتقدون بأن سنوات الالتزام ربما يكون لها وزن هذه المرة. لكن المختار يفاجئهم بابتسامته المعهودة، ثم يوزع المكاسب بالتساوي، وربما يمنح المتقاعس حصة أوفر ، لأنه كما يبدو يحتاج إلى تشجيع ليستمر في غيابه بنفس الحماس الذي أظهره سابقا.

أمام هذا الموقف، تجرأ أحدهم على السؤال: " يا مختار، وين قيمة الالتزام؟ وين تقدير من وقف مع العائلة وقت الشدة ولم يخذلها ويتخلى عن التزاماته نحوها؟ وهل يستوي من بقي مع العائلة ومن تركها وبحث عن الكابونات عند غيرها !! "

صمت وسكون ومن ثم يأتيه الجواب العملي لا النظري. الجواب مكتوب في قوائم المستفيدين، وموقع بختم المساواة العجيبة التي تخلط بين المجتهد والكسول، وبين التضحية واللامبالاة.

فقط عندها لا يبقى أمام الملتزم إلا أن ينظر إلى المشهد كاملا، إلى المتقاعس وهو يتلقى نصيبه من الامتيازات، وإلى المختار وهو راض عن إنجازه العظيم، ثم يقول مبتسما بسخرية: "مبسوط يا مختار.. عاجبك يا مختار؟"

ربما في تلك اللحظة تتجلى الحقيقة المؤلمة، ويُطرح السؤال الكبير، إذا كانت النتيجة واحدة، فلماذا يتعب المتعبون؟ وإذا كان الغياب يكافأ كالحضور، فلماذا يحضر الحاضرون؟ وإذا كان من يحمل الحمل كمن يراقبه من بعيد، فما الحاجة إلى الأكتاف أصلا ؟!!

على هذا النحو , يبدو أن بعض الإدارات الحديثة قد استلهمت فلسفتها من مدرسة هذا المختار، مدرسة تؤمن أن الاجتهاد والتقصير وجهان لعملة واحدة، وأن المبادرة والإهمال مجرد اختلافات شكلية لا تستحق الوقوف عندها. ففي نهاية المطاف، الجميع موظف، والجميع يستحق المكافئة، سواء حملوا المؤسسة على أكتافهم أو حملوا أعذارهم في جيوبهم.

في هذه الإدارة العجيبة، لا فرق بين موظف يسبق الجميع إلى العمل ويغادر بعد الجميع، وبين آخر لا يرى إلا في صور الأرشيف. لا فرق بين من يهب عند أول نداء للحاجة، وبين من يختفي في اللحظات الحرجة وكأن الأرض ابتلعته أو اختار فجأة أن يعيش تجربة التأمل الروحي بعيدا عن مسؤولياته وذهب يبحث عن العمل المجزي في مؤسسات أخرى.

بس يلا مش مشكلة ... فالمختار مبسوط، والإدارة راضية، والمتقاعس سعيد، أما المجتهد فقد حصل على جائزته الكبرى وهي شرف المعرفة بأن جهده كان ضروريا للجميع ... إلا لمن كان يجب أن يقدره.