بكيزه لمن تصير ركيزه

نشر 06 يونيو 2026 | 21:52

عادة في واقعنا العربي ، لا يكون الفساد حدثا طارئا ، بل مشروعا طويل الأمد يحتاج إلى بيئة حاضنة ، ومنظومة مناسبة قادرة على ضمان استمراره . وهنا يظهر ذلك المدير الخنفشاري ؛ الذي يفشل باستمرار ، ويخطئ بثقة ، ويقود دكانته من تعثر إلى آخر ، ثم يخرج من كل أزمة أكثر رسوخا مما كان عليه.

ليس لأنه عبقري ، ولا لأنه صاحب رؤية تسبق عصره كما يحاول بعض السحيجة إقناعنا به ، بل لأنه ببساطة تحول من خطأ إداري إلى ضرورة مؤسسية.

في البداية قد يكون وجوده محل استغراب. تتوالى الإخفاقات، تتراكم الأخطاء، وتتراجع النتائج، ويبدأ الناس بالسؤال: كيف لا زال مستمرا في منصبه ؟

عذرا ، ربما السؤال نفسه يكشف سذاجة السائل !!

ذلك لأن هذا السائل المسكين افترض أن بقاء المدير مرتبط بالنجاح .. وهذا في الواقع غير دقيق ، فلقد حسمت المنظومة العاملة أمرها منذ زمن ، المطلوب ليس مديرا ناجحا، بل مديرا مناسبا ..

مع مرور الوقت تبدأ ماكينة التبرير بالعمل .. لا أحد يتحدث عن النتائج، فالأرقام مزعجة. ولا أحد يقترب من الوقائع، فهي قبيحة وصعبة التجميل.

وبدلا من تصحيح الموقف وانقاذ ما يمكن انقاذه ، تصنع حول هذا المدير الفاشل هالة من البروباجندا العجيبة ، فيقال إنه "يمتلك شخصية قيادية" ولا أحد يعرف ما المقصود بذلك بعد كل هذا الفشل . ويقال إنه "صاحب خبرة تراكمية" والصحيح أن الأخطاء فقط هي التي تراكمت. ويقال إنه "رجل مرحلة" وكأن المراحل السيئة تحتاج مدراء متخصصين في إطالة أمدها !!

ثم تأتي العبارة الذهبية: "لا يوجد بديل" وهي العبارة نفسها التي قتلت آلاف الأفكار وآلاف الكفاءات وآلاف الفرص في المؤسسات العربية .. فمن العجيب أن المؤسسة التي تعج بالموظفين لا تجد بديلا للشخص الذي أثبت مرارا أنه جزء من المشكلة.

ومع الوقت يصبح من غير المطلوب لهذا المدير أن ينجح، بل أن يبقى ، فالبقاء هو الإنجاز الحقيقي. أما الأداء فمسألة ثانوية يمكن معالجتها ببعض الإصدارات الإعلامية الهبلة والتقارير الملونة والعروض التقديمية التي تشرح كيف أن الفشل الحالي هو في الحقيقة نجاح مؤجل يحتاج فقط إلى مزيد من الوقت ومزيد من الوقت ودائما مزيد من الوقت وأن كل تجربة فاشلة يجب منحها فرصة جديدة. وكل قرار خاطئ يعاد اختباره. وكل مشروع متعثر يحصل على تمديد إضافي.

وهكذا شيئا فشيء تتحول المؤسسة إلى منظومة لا تتعامل مع مدير، بل إلى مشروع خيري لرعاية الإخفاقات المزمنة.

المضحك المبكي في هذا المشهد الحزين هو أن الأطرف المدافعـه عنه لا يحاولون إثبات نجاح هذا المدير وأحقيته بالمكان نظرا لكفاءته لأن المهمة مستحيلة .. بل يكتفون بإعادة تدوير العبارات نفسها " الظروف صعبة، المرحلة حساسة، التحديات كبيرة، الإرث ثقيل، المؤامرات كثيرة، والنجاح قادم وما تحقق حتى الآن إنجاز !! "

هم في الحقيقة يصدرون صورة لنجاح يشبه قطارا أسطوريا يسمع الجميع صفيره ولا يراه أحد.

ومع تكرار الرواية تتحول الأكذوبة إلى قناعة. ويصبح المدير الفاشل جزءا من المشهد الطبيعي ، مثل الجدار المتصدع الذي اعتاد الناس المرور بجانبه حتى نسوا أنه متصدع أصلا !!

عندها يا كرام لا تعود المشكلة في المدير بل في المنظومة التي تصالحت مع فشله، وتكيفت معه، وأعادت تعريف النجاح بما يناسبه ..

حين يصبح الفشل مقبولا ، ثم مبررا ، ثم محميا ، ثم يسوق على أنه إنجاز ، من حق بكيزه التي وضعت في مكانها بالخطأ أن تنال لقب ركيزة يشار لها بالبنان ويطلق لها العنان !!!