كان الطاهي "مفلح" يقف كل صباح أمام مطعمه كما يقف شاعر مهجور أمام ديوان لم يعد يقرأه أحد. يتأمل اللافتة التي بهت لونها، ويتابع حركة المارة الذين يمرون بجانب مطعمه مرور السحاب فوق أرض عطشى ؛ يرون المكان ولا يرونه، ويشمون الروائح ولا تغريهم بالدخول.
لم يكن الرجل يفتقر إلى الثقة بنفسه، بل كان يملك منها ما يكفي لإقناع نفسه بأن المشكلة في الناس لا في الطعام. فكلما خلت الطاولات قال: " شو مال ذوق الناس تراجع "، وكلما اشتكى زبون من طبق أجاب: " أنتم لا تفهمون فنون الطهي الدولية الحديثة ".
لكن الأيام كانت أكثر عنادا من تبريراته التي لم تعد تسعفه في اقناع الاخرين، والواقع المؤسف أكثر صدقا من خطاباته.
جلس ذات ليلة يقلب دفاتر الحساب، فوجد أن الأرقام قد أعلنت العصيان، وأن مطعمه يسير بخطى واثقة نحو الهاوية والنسيان.
فكر وقدر، وحك رأسه طويلا باحثا عن وصفة للنجاح حتى وإن كان وهميا، ثم قفز فجأة من مكانه كمن اكتشف قارة جديدة، وصاح: " وجدتها "!!
وفي صباح اليوم التالي، عُلقت على واجهة المطعم لافتة ضخمة كُتب عليها بخط عريض:
"الآن حصريا... الخبيزة الأمريكية!"
توقف الناس أمام اللافتة بدهشة. بعضهم لم يعرف ما هي الخبيزة أصلا ، لكن كلمة " الأمريكية " فعلت فعل السحر. فالناس اعتادوا أن يظنوا أن كل شيء يكتسب مهابة إضافية بمجرد أن يقطع المحيط الأطلسي ، أو على الأقل أن يحمل اسما دوليا أجنبيا.
ازدحم المطعم في الأيام الأولى، وتناقل الناس الخبر كما يتناقلون أخبار الاكتشافات العلمية. سأل أحد الزبائن النادل:
ما الذي يميز الخبيزة الأمريكية؟
فأجاب بعد تردد قائلا: الحقيقة تكمن في اسمها.
ضحك الزبون وظنها مزحة.
أما الحقيقة فكانت أكثر طرافة ؛ فالطبق نفسه لم يتغير قيد شعرة. هي ذات الخبيزة الفلسطينية التي تنبت في الحقول نفسها، وتقطف من الأرض نفسها، وتطهى بالمكونات نفسها. لم تضف إليها أمريكا حبة ملح، ولم تمنحها ولاية تكساس نكهة خاصة، ولم ترسل لها نيويورك شهادة اعتماد دولية.
كل ما حدث أن الاسم تبدل، أما الجودة فبقيت على حالها.
ومع مرور الوقت، بدأ الزبائن يكتشفون السر الكبير المختبئ خلف الضجيج الإعلاني الصغير. فالاسم اللامع قد يجذب الفضول مرة، لكنه لا يستطيع خداع الملاعق والذوق العام إلى الأبد.
وعلى الطرف الآخر من القرية، كانت أم فلسطينية بسيطة تعد الخبيزة كما اعتادت منذ سنوات طويلة. تغسل الأوراق وتفرمها بعناية، وتنتقي المكونات بدقة، وتضيف إليها شيئا لا يباع في الأسواق ولا يستورد من الخارج: النفس الطيب الصادق.
لم تضع على باب بيتها لافتة تقول " الخبيزة العالمية "، ولا " الخبيزة الأمريكية الممتازة "، ولا " الخبيزة الدولية ". كانت تعرف أن الأسماء والألقاب الخنفشارية لا تطهو الطعام، وأن الشهرة لا تتبل ما تحتويه القدور.
كان كل من تذوق طعامها يدرك الحقيقة البسيطة التي عجز الطاهي مفلح عن فهمها:
ليست المشكلة في الخبيزة، بل في اليد التي تعدها.
فالطبق الأصيل لا يحتاج إلى جواز سفر كي يثبت قيمته، ولا إلى لقب أجنبي كي يكتسب احترام الناس. الجودة لا تستورد ولا تصدر من خلال البروباجاندا الإعلامية الكاذبة، الانتماء لا يلصق على اللافتات، والنجاح الحقيقي لا يصنعه بريق الاسم، بل صدق الأداء وإتقان الصنعة.
وهكذا بقيت الخبيزة خبيزة، سواء سميت فلسطينية أو أمريكية أو كونية، بينما ظل السؤال معلقا فوق كثير من الواجهات البراقة: كم من الأشياء نحاول إصلاح سمعتها بتغيير اسمها، بينما الخلل يسكن فيمن يصنعها؟
تنويه .. " لهواة عمل الاسكرين شوت , المقال كبير ولا يتسع لصورة واحدة .. قم تفضلا بنسخ المقال وارفقه بصورتي في هذا المنشور وارسلوه لمن تحبون "