يواصل الشيكل الإسرائيلي تسجيل مكاسب قوية أمام العملات الرئيسية، ليبلغ مستويات غير مسبوقة منذ عقود، وسط تصاعد القلق داخل الأوساط الاقتصادية والصناعية من التداعيات السلبية لقوة العملة على الصادرات والنمو الاقتصادي.
ورفع بنك إسرائيل سعر صرف الشيكل مقابل الدولار ليستقر عند 2.81 شيكل للدولار، كما عزز العملة الإسرائيلية أمام اليورو والجنيه الإسترليني ليصل سعر الصرف إلى 3.306 شيكل لليورو و3.817 شيكل للإسترليني.
ورغم أن قوة الشيكل كانت تعد سابقا مؤشرا على متانة الاقتصاد الإسرائيلي، إلا أن استمرار هذا الارتفاع بدأ يتحول إلى عبء ثقيل، خاصة على قطاعي التكنولوجيا والصناعة، اللذين يشكلان ركيزة الصادرات الإسرائيلية.
وتعاني شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، المسؤولة عن أكثر من نصف صادرات البلاد، من تآكل أرباحها نتيجة انخفاض قيمة الإيرادات المحققة بالدولار عند تحويلها إلى الشيكل، في حين تبقى تكاليف التشغيل والأجور المرتفعة بالعملة المحلية دون تغيير.
أما القطاع الصناعي، فيواجه ضغوطا متزايدة مع تراجع القدرة التنافسية للمنتجات الإسرائيلية في الأسواق الخارجية، ما دفع شركات ومصنعين إلى تكثيف مطالباتهم لوزارة المالية وبنك إسرائيل بالتدخل العاجل لكبح جماح ارتفاع العملة.
وول ستريت المحرك الرئيسي
ويبدو أن المحرك الأساسي وراء صعود الشيكل خلال العام الأخير ليس التطورات الجيوسياسية، بل التدفقات المالية المرتبطة بالمؤسسات الاستثمارية الإسرائيلية.
وتقوم صناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الادخار ببيع كميات ضخمة من الدولار وشراء الشيكل للتحوط من انكشافها على الأسواق الخارجية، خاصة مع استمرار صعود الأسهم الأمريكية.
ويحتفظ المستثمرون المؤسسيون عادة بنسبة انكشاف ثابتة على العملات الأجنبية تبلغ نحو 20%.
ومع ارتفاع مؤشرات وول ستريت ترتفع قيمة الأصول المقومة بالدولار، ما يدفع هذه المؤسسات إلى بيع المزيد من الدولار للحفاظ على التوازن داخل محافظها الاستثمارية.
وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بنسبة 1% في مؤشرات الأسهم الأمريكية يدفع المؤسسات الإسرائيلية إلى بيع ما يقارب 1.5 مليار دولار، وهو ما يخلق ضغطا مستمرا يعزز قوة الشيكل.
ماذا قد يوقف ارتفاع الشيكل؟
ويقول جوناثان كاتس، كبير الاقتصاديين في "ليدر كابيتال ماركتس"، إن أي هبوط قوي في وول ستريت قد يؤدي إلى تراجع الشيكل بشكل ملحوظ، موضحا أن انخفاضا بنسبة 20% في الأسواق الأمريكية قد يدفع سعر الدولار إلى نطاق يتراوح بين 3.15 و3.20 شيكل.
وقد تشمل العوامل التي قد تؤدي إلى هذا السيناريو ارتفاع التضخم الأمريكي وزيادة عوائد السندات طويلة الأجل أو تشديد السياسة النقدية من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بصورة تفوق التوقعات.
وتزداد التخوفات من أن الآلية نفسها التي تدعم الشيكل حاليا قد تتحول إلى عامل ضغط معاكس في حال تراجعت الأسواق العالمية، إذ ستضطر المؤسسات المالية حينها إلى شراء الدولار بكثافة ما قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم داخل إسرائيل.
في المقابل، ساهم انخفاض علاوة المخاطر في إسرائيل خلال الأشهر الماضية في جذب رؤوس الأموال الأجنبية مجددا، خاصة بعد تراجع مؤشر مقايضات التخلف عن السداد (CDS) بأكثر من 60% مقارنة بذروته المسجلة خلال تصعيد أكتوبر 2024.
لكن تقديرات الأسواق تشير إلى أن أي تصعيد أمني واسع أو تهديد للاستقرار طويل الأجل قد يعيد المخاوف سريعا ويدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر.
هل يتدخل بنك إسرائيل؟
ورغم خفض بنك إسرائيل أسعار الفائدة هذا الأسبوع بمقدار 0.25 نقطة مئوية إلى 3.75%، فإن الخطوة لم تُحدث تأثيرا ملموسا على مسار الشيكل.
وذلك فإن خفضا محدودا للفائدة لن يكون كافيا لتغيير الاتجاه الحالي، والأمر قد يتطلب تدخلا واسعا عبر شراء كميات كبيرة من العملات الأجنبية.
ولعل تجربة عام 2021، حين أعلن بنك إسرائيل برنامجا لشراء 30 مليار دولار، قبل أن يرفع المشتريات فعليا إلى نحو 35 مليار دولار لوقف الارتفاع الحاد للعملة آنذاك.
إلا أن الظروف الحالية تبدو أكثر تعقيدا، مع تضخم حجم الأصول التي تديرها المؤسسات الاستثمارية، ما يعني أن أي تدخل جديد قد يحتاج إلى مبالغ أكبر بكثير لتحقيق التأثير المطلوب.
وتتداول الأسواق أيضا مقترحات غير تقليدية، من بينها تحوط وزارة المالية من ديونها الخارجية عبر شراء الدولار عند المستويات الحالية المنخفضة.
ويقترح بعض الاقتصاديين إنشاء آلية مشتركة بين بنك إسرائيل ووزارة المالية، بحيث تقوم المؤسسات ببيع الدولار مباشرة للبنك المركزي بدلا من السوق المفتوحة، على أن تستخدم وزارة المالية هذه الدولارات لسداد التزاماتها الخارجية.
ويرى مؤيدو هذا الطرح أن الخطوة قد تخفف الضغط عن السوق وتحد من قوة الشيكل، دون تحميل الاقتصاد مخاطر مضاربات مباشرة.
وفي ظل استمرار التردد الرسمي، تزداد التحذيرات من أن ترك السوق دون تدخل قد يقود إلى تباطؤ اقتصادي أوسع، مع تضرر قطاعي الصناعة والتكنولوجيا وإغلاق بعض المصانع، الأمر الذي قد يفرض في النهاية تصحيحا قاسيا على سعر صرف الشيكل.