تجاوزت الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة الحرب والدمار والحصار الإسرائيلي إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل فيما يمكن وصفه بـ"هندسة التجويع" عبر التحكم بالسوق المحلية وتحويل الاحتياجات الأساسية إلى أدوات استنزاف مالي لفئات واسعة من السكان الذين يعيشون أصلا أوضاعا كارثية.
ما يحدث اليوم في الأسواق لا يمكن قراءته باعتباره نشاطا تجاريا طبيعيا، لأن القاعدة الأساسية لأي سوق تقوم على وجود قدرة شرائية وحد أدنى من العدالة الاقتصادية، بينما في غزة نحن أمام اقتصاد مشلول بالكامل، بطالة تتجاوز 80%، وأكثر من 95% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية والغذائية من أجل البقاء.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح الحديث عن "سوق حر" أو "عرض وطلب" نوعا من التضليل الاقتصادي، لأن غالبية السكان لا تملك أصلا القدرة على الشراء.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار وإنما في آلية تشكل هذه الأسعار وفي الجهات المستفيدة من استمرار الأزمة. هناك فئة محدودة جدا من التجار راكمت ثروات ضخمة خلال الحرب، مستفيدة من التحكم في إدخال البضائع والتنسيقات التجارية واحتكار بعض السلع الأساسية.
وفي المقابل، تم استنزاف الطبقة المتوسطة والفقيرة بصورة غير مسبوقة، حتى إن كثيرا من الأسر اضطرت إلى إنفاق مدخراتها بالكامل من أجل البقاء على قيد الحياة.
اقتصاديا، الادخار يمثل خط الدفاع الأخير لأي أسرة في مواجهة الأزمات، لكن ما جرى في غزة أدى إلى تآكل هذا الخط بالكامل. فالمواطن الذي ادخر على مدار سنوات عدة آلاف من الدولارات لمواجهة الطوارئ استنزف كل ما يملك خلال شهور الحرب والمجاعة وارتفاع الأسعار.
واليوم، آلاف العائلات لم يعد لديها أي احتياطي مالي، ما يعني أنها أصبحت أكثر هشاشة وعرضة للانهيار الاجتماعي والمعيشي الكامل.
ولعل الأخطر من ذلك أن السلع التي تدخل عبر الشاحنات التجارية لا تصل فعليا إلى غالبية السكان. فمن يستطيع اليوم شراء السلع التي تفوق خمسة أضعاف سعرها الطبيعي؟ ومن يملك القدرة على شراء طبق البيض بعشرات الشواكل في وقت لم يتلق فيه الموظفون رواتبهم منذ شهور، بينما يعيش الجزء الأكبر من السكان بلا أي دخل ثابت؟ هنا تتكشف المفارقة الكبرى؛ البضائع موجودة جزئيا، لكن الناس عاجزون عن الوصول إليها.
وفي المقابل، يعتمد معظم سكان غزة على "التكايا" والمساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للطعام، وهي صورة تعكس انهيار مفهوم الأمن الغذائي بالكامل.
حتى الأسر التي لا تزال تمتلك دخلا محدودا، فإن هذا الدخل بالكاد يكفي لأسبوع أو أسبوعين في أفضل الأحوال ما يعني أن الأزمة لم تعد أزمة فقر فقط، بل أزمة بقاء حقيقية.
ومن هذا المنطلق، تظهر الدعوات إلى العصيان المدني الاقتصادي ضد التجار كنوع من الاحتجاج الشعبي على ما يعتبره كثيرون استغلالا لمعاناة الناس.
هذه الدعوات لا تنطلق من رفض التجارة بحد ذاتها بل من رفض تحويل الحرب والجوع إلى وسيلة لتكديس الثروات في أيدي فئة محدودة، بينما تغرق غالبية المجتمع في العوز والمجاعة.
كما أن استمرار تدفق الشاحنات التجارية بهذه الآلية الحالية يطرح تساؤلات جوهرية حول العدالة في التوزيع وأولويات المرحلة.
ففي ظل بيئة اقتصادية مدمرة وغياب الرقابة الحقيقية، تتحول التجارة أحيانا إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي بصورة أكثر حدة، حيث تتركز الأموال في أيدي قلة محدودة على حساب جمهور واسع فقد كل مقومات الحياة الطبيعية.
فالأزمة في غزة لم تعد اقتصادية فقط، وإنما أصبحت أزمة اجتماعية وأخلاقية أيضا، فحين يعجز المواطن عن شراء الغذاء والدواء، بينما تتضخم ثروات البعض وسط الحرب، فإن ذلك يهدد النسيج المجتمعي ويعمق مشاعر الغضب والاحتقان داخل المجتمع نفسه.