في غزة، لا يبدو الإخلاء القسري حدثًا طارئًا يُقرأ في سياق عسكري محدود، بل يتحول مع كل موجة جديدة إلى لحظة انهيار شامل لليوميات، وإعادة ضبط قسرية لحياة الناس على إيقاع الخوف والانتقال الدائم.
ومع تكرار أوامر الإخلاء الصادرة عن قوات الاحتلال الإسرائيلي في أكثر من منطقة داخل القطاع، تتجدد مشاهد النزوح التي باتت جزءًا ثابتًا من المشهد الفلسطيني، لا كاستثناء، بل كحالة مستمرة تتكرر كلما اتسعت دائرة القصف والتصعيد.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أشار إلى أن باحثيه رصدوا عودة الاحتلال في الأيام الماضية إلى سياسة قصف المنازل أو أماكن النزوح، بعد الاتصال بعدد من سكان الأماكن المستهدفة لإخلائها.
ويشدد المركز على أن الاتصالات الهاتفية أو أوامر الإخلاء التي تصدرها قوات الاحتلال قبل تنفيذ الهجمات لا تعفيها من المسؤولية القانونية، ولا تضفي أي مشروعية على استهداف الأعيان المدنية، منبها إلى أن هذه الإجراءات تؤكد أن قوات الاحتلال تمتلك علما مسبقا بوجود المدنيين، وبطبيعة المناطق المستهدفة، وبالآثار المتوقعة لهجماتها، ما يجعل استخدامها كأداة تمهيد لعمليات التدمير والترويع الجماعي انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني.
لحظات فاصلة
في منطقة الكتيبة وسط خان يونس، يصف سكان اللحظات الأولى لوصول التحذيرات من قوات الاحتلال قبل عدة أيام بأنها لحظات فاصلة بين شكلين من الحياة: حياة قبل الإخلاء، وحياة بعده. دقائق معدودة تكفي لتحويل الشوارع إلى مسارات حركة كثفة، والبيوت إلى نقاط عبور سريعة، والأحياء إلى مناطق مغادرة جماعية.
يقول محمود الخطيب، أحد سكان حي الكتيبة: “نحن لا نغادر فقط، نحن نُقتلع في كل مرة. المشكلة ليست في الرحيل، بل في تكراره دون نهاية واضحة”.
ويضيف أن أصعب ما يرافق لحظة الإخلاء ليس الخوف من القصف فقط، بل الشعور الدائم بأن كل ما يحاول الناس ترميمه يمكن أن ينهار مجددًا خلال دقائق، لتبدأ رحلة نزوح جديدة فوق ما تبقى من تعب الحرب.
وعادة ما يجري أمر الإخلاء المحدد بمنزل أو مناطق محدودة بالاتصال بأحد أو عدد من السكان من قوات الاحتلال والطلب منهم إخلاء المنطقة عادة في دقائق محدودة لا تمكنهم من أخذ أي شيء من مملتكاتهم.
نزوح يتكرر حتى يتآكل الإحساس بالمكان
مع تكرار النزوح، لم يعد الحديث يدور عن انتقال من مكان إلى آخر، بل عن فقدان تدريجي لفكرة “المكان المستقر”.
عائلات كثيرة نزحت أكثر من مرة خلال الحرب، من حي إلى آخر، ومن مدينة إلى مخيم، حتى أصبح البيت فكرة مؤجلة أكثر منه واقعًا ملموسًا.
تقول ميساء الفرا: “كل مرة نغادر فيها نقول ربما هذه الأخيرة، لكن لا شيء ينتهي. نبدأ من جديد داخل ظروف أسوأ من التي قبلها”.
هذا التكرار المستمر لا يخلق فقط ضغطًا إنسانيًا مباشرًا، بل يؤدي إلى حالة من الإرهاق النفسي الجماعي، حيث يصبح الاستقرار استثناءً نادرًا، بينما يتحول الترحال القسري إلى القاعدة اليومية لسكان القطاع.
لحظة الإخلاء.. زمن يتقلص إلى دقائق
في لحظة صدور أوامر الإخلاء أو التحذيرات، يتغير إيقاع الحياة بالكامل. الزمن يتقلص، والقرارات تصبح فورية، ولا مجال للتفكير الطويل أو التخطيط.
كل شيء يُحسم خلال دقائق: ماذا يمكن حمله؟ وأين يمكن الذهاب؟ ومن سيبقى؟ وما الذي يمكن تركه خلف الأبواب المغلقة؟
محمود مغاري، من مخيم البريج، يصف تلك اللحظة بقوله: “كل شيء يتوقف فجأة. أنت لا تفكر أين ستذهب، أنت فقط تحاول أن تخرج من المكان قبل أن يتحول إلى خطر”.
ويضيف: “الأصعب ليس الخروج، بل الشعور بأنك لا تعرف إن كانت هناك عودة أصلًا”.
وبناء على تجارب الإخلاء والنزوح المتكرر منذ بدء حرب الإبادة وفي العدوانات السابقة، بات كل فرد في غزة له حيبته الخاصة التي تحمل الوثائق وما خف وزنه للحظة الإخلاء التي قد تأتي فجأة.
بين الخيام والطرقات.. حياة مؤقتة بلا أفق
بعد الإخلاء، تبدأ مرحلة أخرى لا تقل قسوة: الاكتظاظ داخل مراكز الإيواء، أو نصب خيام في مناطق مفتوحة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.
في هذه المساحات الضيقة، تتغير تفاصيل الحياة اليومية بالكامل. الماء يصبح تحديًا يوميًا، والغذاء محدودًا، والخصوصية شبه غائبة، بينما يتحول الأطفال إلى الفئة الأكثر تأثرًا بهذا الواقع، إذ تتشكل ذاكرتهم على أصوات التحذيرات والانفجارات بدل أصوات المدارس والحياة الطبيعية.
ومع مرور الوقت، لا يعود النزوح حالة مؤقتة مرتبطة بالنجاة من القصف، بل يتحول إلى نمط حياة مفتوح على مزيد من الغموض وعدم اليقين.
وعلى مدى 31 شهراً من هجومها العسكري المتواصل على قطاع غزة، دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 80% من منازل القطاع، ما أجبر مئات آلاف المواطنين على النزوح إلى مراكز إيواء أو الإقامة في خيام مهترئة، أو بجوار ركام منازلهم، أو داخل منازل متضررة وآيلة للسقوط، في ظل غياب أي بدائل سكنية آمنة.
ضغط مستمر ورسائل متعددة
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عماد زقوت أن سياسة “إخلاء المربعات السكنية” في قطاع غزة تجاوزت كونها إجراءً عسكريًا مرتبطًا بالميدان، لتتحول إلى أداة ضغط مركبة تستهدف الإنسان والمكان معًا.
ويقول زقوت في تصريحات خاصة للمركز الفلسطيني للإعلام، إن الاحتلال يستخدم هذه السياسة بهدف “التضييق على السكان والتنغيص على حياتهم”، مشيرًا إلى أن أوامر الإخلاء ترتبط غالبًا بعمليات قصف واسعة وعنيفة تؤدي إلى تدمير مربعات سكنية كاملة، وما يتبع ذلك من موجات نزوح وتشريد جديدة يعيشها سكان غزة بصورة متكررة.
ويضيف أن تكرار الإخلاءات لا يعكس فقط تصعيدًا عسكريًا، بل محاولة لفرض واقع جديد قائم على “استمرار قضم غزة” وتوسيع المناطق الخطرة أو ما بات يُعرف بـ”المنطقة الصفراء”، بما يُفقد السكان القدرة على الاستقرار أو إعادة بناء حياتهم الطبيعية.
وبحسب زقوت، فإن الأخطر في هذه السياسة لا يكمن في الخسائر المادية المباشرة فحسب، بل في الأثر النفسي والاجتماعي العميق الناتج عن النزوح المتكرر، حيث تتحول حالة الطوارئ إلى واقع دائم، ويصبح الاستقرار استثناءً نادرًا في حياة العائلات الفلسطينية.
ويتابع أن الاحتلال يوظف هذه الإخلاءات أيضًا كورقة ضغط سياسية على حركة حماس، في محاولة لدفعها نحو “الرضوخ لمطالب الاحتلال”، إلى جانب استخدامها كرسائل متعددة الاتجاهات موجهة للوسطاء والولايات المتحدة، وتحمل دلالات على استعداد إسرائيل للذهاب نحو حرب أوسع وأكثر عنفًا.
كما يشير إلى وجود أبعاد داخلية إسرائيلية لهذه السياسات، في ظل تصاعد الحديث عن الحسابات السياسية والانتخابية داخل إسرائيل، معتبرًا أن “غزة ستكون جزءًا من المزايدات السياسية خلال المرحلة المقبلة”.
ويختم زقوت بالقول إن استمرار هذا النمط من الإخلاءات لا يعيد تشكيل الجغرافيا فقط، بل يعيد صياغة الإنسان الفلسطيني نفسيًا واجتماعيًا، عبر اقتلاع متكرر يبدد الإحساس بالمكان والانتماء، ويجعل حياة النزوح واقعًا مفتوحًا بلا أفق واضح.
وفق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان؛ تعكس عودة قوات الاحتلال المكثفة لاستهداف المنازل المتضررة جزئيا أو التي اضطر السكان إلى ترميم أجزاء منها بوسائل بدائية، تعمدا واضحا لاستكمال تدمير البيئة السكنية في قطاع غزة، وفرض واقع معيشي كارثي يدفع السكان نحو مزيد من التشريد والمعاناة. كما تعكس هذه الهجمات نهجا قائما على الترويع الجماعي، وتوسيع دائرة الحرمان، وتعميق ظروف الحياة القاسية التي يعيشها المدنيون في القطاع.
ويؤكد أنه منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر وحتى اليوم، تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية وسياسات تدفع نحو تحويل قطاع غزة إلى بيئة طاردة للسكان، وظروف معيشية غير قابلة للاستمرار، عبر التدمير الواسع والقيود المشددة والسيطرة العسكرية على مساحات واسعة من القطاع، إلى جانب استمرار القصف والقتل اليومي.