الندرة كسلاح حرب في غزة!

نشر 19 مايو 2026 | 22:45

تجاوزت الحرب على غزة حدود الدمار العسكري والإنساني، لتتحول إلى نموذج صارخ لما يعرف بـ"اقتصاد الحرب"، حيث تستخدم الأدوات الاقتصادية كسلاح موازٍ للقصف والتجويع والنزوح.

فالارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية، والذي تجاوز في بعض المواد الاستراتيجية 300%، وفي أوقات سابقة أكثر من 1000%، لا يمكن تفسيره فقط بآليات السوق التقليدية وإنما يعكس حالة "ندرة مصطنعة" أنتجت بفعل التحكم المقصود في تدفق السلع والمعابر.

وفي الاقتصادات الطبيعية، ترتفع الأسعار عادة نتيجة زيادة الطلب أو تراجع الإنتاج، لكن ما يحدث في غزة أكثر تعقيدا، إذ تتزامن الندرة مع انهيار شبه كامل في القوة الشرائية.

فمع وصول البطالة إلى أكثر من 80% وتجاوز معدلات الفقر حاجز 90%، أصبح السكان يعيشون في معادلة اقتصادية مستحيلة، تتمثل في أسعار خيالية مقابل دخول شبه معدومة.

هذه الحالة تفقد السوق توازنها الطبيعي وتحولها من فضاء للتبادل التجاري إلى "سوق نجاة" يتحكم فيه الخوف أكثر من العرض والطلب.

إن تقليص عدد الشاحنات الداخلة إلى القطاع، مقارنة بالحاجة الفعلية للسكان، أدى إلى اختناق حاد في الإمدادات، خصوصا في السلع الحيوية مثل الطحين والسكر والوقود والغاز.

ومع غياب الاستقرار في تدفق البضائع، أصبحت الأسعار متقلبة بصورة يومية، وهو ما يفسر وصف المواطنين للأسواق بأنها "مزادات" وليست أسواقا حقيقية.

ففي قراءة بالأرقام، بلغت نسبة الشاحنات التي تم السماح بإدخالها للقطاع خلال شهر أبريل/ نيسان الماضي تقريبا 25% مما تم الاتفاق عليه في بروتوكول وقف إطلاق النار، حيث أقر البروتوكول حوالي 600 شاحنة يوميا بما مجموعه 18 ألف شاحنة شهريا، والوارد خلال شهر أبريل حوالي 4.5 ألف شاحنة.

ولعل الأخطر هو نوعية هذه الشاحنات، حيث تشير البيانات أن نسبة السلع الاستراتيجية لا تزيد عن 7%، في حين أن الباقي سلع كمالية ومواد غذائية ثانوية.

لكن الأخطر اقتصاديا لا يتمثل فقط في التضخم وإنما في إعادة تشكيل البنية التجارية داخل القطاع، إذ إن التحكم في نوعية السلع وكمياتها فتح المجال لظهور شبكات تجارية جديدة مرتبطة بمراكز النفوذ والتحكم بالمعابر، ما يعني خلق اقتصاد هش قائم على الاحتكار والندرة بدلا من المنافسة والإنتاج.

كما أن استمرار هذه السياسة أدى لتآكل الطبقة الوسطى بشكل ملحوظ، وهي الطبقة التي تمثل عادة عنصر الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في أي مجتمع.

ومع تراجع القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، تتزايد الضغوط النفسية والاجتماعية وتتفكك الروابط الأسرية والمجتمعية تحت وطأة العجز والفقر.

ولذلك، ما يحدث في غزة هي عملية استنزاف اقتصادي ممنهج تهدف إلى إعادة صياغة المجتمع من الداخل عبر التحكم بالغذاء والدواء والطاقة.

وهذا النوع من الحروب يترك آثارا طويلة الأمد، لأن إعادة إعمار الاقتصاد أكثر تعقيدا بكثير من إعادة إعمار الحجر.