منذ ثمانية عقود، حينما احتلت العصابات الصهيونية فلسطين، تنافست روايتان: رواية أهل الحق الفلسطينيين، ورواية الطارئين على بلادهم من الصهاينة المحتلين. وعلى مدار تلك العقود، لم تفلح الرواية الفلسطينية في النفاذ إلى العقل الإنساني العالمي -شعبيًا ورسميًا- إلا ما ندر؛ فالوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني كان يُوصم صاحبه على عجل بـ "معاداة السامية"، ذلك المصطلح الذي ابتكره قادة الاحتلال لشيطنة كل صاحب ضمير حر يتضامن مع الضحايا الفلسطينيين.
لكن خلال حرب غزة التي بدأت في أكتوبر 2023م ولا تزال متواصلة حتى الآن، وأوقعت أكثر من 8% من أهالي غزة ما بين شهيد ومصاب، احتدم السجال العالمي حول هذه الحرب، ولم تعد المعركة محصورة في الميدان العسكري، بل انتقلت إلى حلبة السرديات، حيث بدأت تتصارع روايتان: إحداهما الإسرائيلية التي اعتبرت قتل جيشها للفلسطينيين وتجويعهم "حقاً مكفولاً للدفاع عن النفس"، بينما ترتكز الرواية الأخرى على المبادئ الإنسانية والحقوقية، معتبرة أن ما يجري إنما هو جريمة إبادة ومأساة ممنهجة بحق المدنيين الفلسطينيين.
إن الأهم في هذه الحرب هو أن رواية أهل الحق بدأت تتسع وتجد لها موطأ قدمٍ في العالم، وأخذت تكبر يوماً بعد يوم، فانضمت إليها هيئات دولية وشخصيات اعتبارية، لتعيد بذلك رسم مشهد التحول في الوعي العالمي. ولأول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بات من المستحيل على النظام الدولي إغماض عينيه عما يجري في غزة وفلسطين من باب العجز أو ازدواجية المعايير، حتى بدأ يتشكل خطاب قانوني وأخلاقي بل ودبلوماسي يؤيد سردية الضحايا في غزة.
ومما يؤكد ذلك، الأوصاف والمصطلحات التي صدرت عن لجان دولية وأممية، وكان من أبرز تجلياتها القول إن ما يجري في غزة هو "إبادة جماعية"؛ وهذا يعني أن تلك المؤسسات لم تعد في موقف مَن يطلب التوضيح من "إسرائيل" لتبرير الأحداث، وإنما انتقلت إلى محطة المساءلة، وشتان ما بين طلب التوضيح والمساءلة المباشرة.
وقد انسحب هذا الأمر على مؤسسات القضاء الدولي؛ فإسرائيل لم تعد في منأى عن المساءلة، وتأكد ذلك بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي اعتبر وجودها في الأراضي الفلسطينية احتلالاً غير قانوني، أو من خلال مذكرات التوقيف التي طالت أعلى مستويات القيادة السياسية والعسكرية. وبغض النظر عن المآلات التنفيذية لهذه الخطوات وعدم تطبيقها على أرض الواقع، إلا أنها تُحدث -ولا تزال- أثراً بالغاً في تفكيك الرواية الإسرائيلية التقليدية، التي طالما استندت إلى حصانة سياسية شبه مطلقة.
والتحول الأهم لا يكمن في المؤسسات فحسب، بل انتقل إلى ساحة الفضاء السياسي الغربي ذاته؛ ولنتخيل مثلاً دولاً كانت داعمة تقليدية لإسرائيل باتت تتحدث صراحة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني وتلوّح بعقوبات! فنحن نقف اليوم أمام تصدع حقيقي في أعمدة السردية الإسرائيلية داخل معاقلها التاريخية (بريطانيا وفرنسا وكندا). وصحيح أننا لا يمكن أن نعتبر أن تلك الدول انقلبت على "إسرائيل" بين عشية وضحاها، ولكنه إعادة تموضع ورسم للسياسات تحت وقع الضغط الشعبي المتصاعد من شعوبها.
أما على مستوى المجتمع المدني العالمي وشعوب العالم، فالصورة تبدو أكثر وضوحاً، وفي بعض الأحيان أكثر عنفواناً وقوة. والمشاهد التي بتنا نراها يومياً لنشطاء يخاطرون بحياتهم لكسر الحصار سواء عبر البحر أو البر، والشخصيات الدولية المؤثرة التي تصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، إلى جانب شركات عالمية كبرى باتت تعيد النظر في علاقتها بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية؛ كل ذلك يشير إلى أن الضمير العالمي لم يعد صامتاً كما كان في الماضي.
إن هذا التراكم في المواقف القضائية، السياسية، المدنية، والإعلامية وغيرها، وإن كان لا يعني بالضرورة انتصاراً كاملاً عاجلاً لسردية الضحايا من أهالي غزة المُجوَّعين، غير أنه يرسّخ حقيقة جوهرية: وهي أن الرواية الإسرائيلية لم تعد هي المهيمنة كما كانت سابقاً، بل إن المسألة تؤكد أن قدرة "إسرائيل" على احتكار التفسير الأخلاقي والقانوني للأحداث آخذة في التراجع وبشكل كبير.
هذا التحول هو ما دفع حكومة الاحتلال الإسرائيلي -بحسب تقارير إعلامية- إلى تخصيص 730 مليون دولار العام الحالي 2026م لجبهة السردية؛ وفي التفاصيل، فقد أقر المشرعون الإسرائيليون ميزانية وطنية تتضمن المبالغ المذكورة، وهو مبلغ يعادل خمسة أضعاف تقريباً الـ 150 مليون دولار التي خُصصت لهذا الغرض في العام السابق.
ورغم هذه المبالغ المهولة، فإن خبراء الدبلوماسية العامة يشككون في جدوى هذه الخطوة. واستمراراً لحالة التخبط التي يعيشها الاحتلال، فقد وُقِّعت العقود لتحسين صورة "إسرائيل" في الولايات المتحدة -الداعم الأكبر لها- وعلى فضاء الإنترنت. وكشفت تلك التقارير أن حكومة الاحتلال استعانت بشركات دعاية ومؤثرين لهذا الغرض، بعدما فقدت مؤخراً تعاطف الكثير من المؤثرين والفنانين والنجوم العالميين.
ختاماً، أصبح العالم أجمع أمام لحظة تاريخية تتشكل فيها سردية جديدة، لا تستند إلى العاطفة فحسب، بل تعتمد على القانون الدولي، وشهادات الميدان، والتحولات السياسية. هي سردية باتت تُزيح تلك الرواية التي أوجعت الرؤوس باتهام الضحايا ومن يؤيدهم بـ "معاداة السامية"، وهي سردية ترى في غزة ليس مجرد ساحة قتل وحرب وإبادة وتجويع، وإنما اختبار حقيقي للعدالة الدولية ذاتها؛ فهل ستبقى تلك العدالة أسيرة موازين القوة، أم أنها ستنحاز –ولو متأخرة– إلى الضحايا؟
الإجابة لا يمكن حسمها بعد، لكن المؤكد أن ميزان السرديات لم تعد كما كان؛ فغزة ضحية، و"إسرائيل" قاتلة ومجرمة.