مؤخرًا، وبعد حجزٍ مُسبق، تمكنتُ من شراء طبقٍ من البيض (30 بيضة) مقابل مبلغ (37 شيكلًا)، وهو الذي لم أحصل عليه منذ أكثر من سبعة شهور متواصلة.
الأهم في الموضوع، أنني وفي طريقي عائدًا وحاملًا البيض إلى مكان نزوحي في غزة، استوقفني أكثر من 40 شخصًا -رجالًا ونساءً وبعضهم من الأطفال- وكلهم يسألني عن مصدر هذه "الغنيمة" التي حصلتُ عليها لأطفالي بعد حرمانٍ لعدة شهور، وعن ثمنها!
إن الكثير من أسئلة الناس حطمتني، خاصة تلك التي كان مصدرها الأطفال؛ فمن حق أي غزّي أن يأكل ويشرب كأي إنسانٍ في العالم، لكن هذا الحق لا يرى النور حينما لا ترغب "إسرائيل" بذلك. والجميع يرى ويشاهد، لكنه يصمت بينما مليونا غزّي يتجرعون المعاناة، ويعيشون الجوع والحرمان والقتل، دون مغيث.
طبق البيض الذي حصلتُ عليه بأسعارٍ خيالية، ماذا عساه أن يفعل في أسرة مكونة من ثمانية أفراد؟ في الماضي، كنتُ أشتري شهريًا ما لا يقل عن سبعة إلى ثمانية أطباق، وفي وقتٍ كان يوصف بالغلاء الفاحش لم يكن سعر الطبق الواحد يتجاوز (12 شيكلًا)، بينما اليوم يصل سعر الطبق إلى حوالي (80 شيكلًا) في السوق السوداء.
في المعدل الطبيعي عالميًا، يحتاج الفرد الواحد إلى بيضتين يوميًا، لكن في غزة هذه الأيام -وبهندسة تجويع إسرائيلية، مع غياب ضغط عالمي حقيقي لوقف فاشية الاحتلال- فإن المواطن الغزّي الذي يحصل على بيضة واحدة ربما شهريًا يكون قد حصل على خيرٍ كثير.
البيض الذي أتحدث عنه هو صنف واحد فقط من الأصناف التي يُدخلها "نتنياهو" لغزة بمزاجه وحسب تقسيمته، وليس بناءً على حاجة السكان.
منذ عدة شهور، كان من المفترض أن يقوم الاحتلال الإسرائيلي بعد هذه الحرب المدمرة -وحسب تفاهمات معينة- بإدخال 600 شاحنة غذاء يوميًا لعلها تكفي مليوني إنسان بعد تدمير كل شيء في غزة، لكن هذا لم يحدث، وفي أحسن الأحوال لم يدخل ثلث الكمية يوميًا!
يخرج الاحتلال الإسرائيلي أمام العالم فيخبرهم أنه يُدخل تلك الشاحنات لغزة، ويخرج أطفال غزة يصرخون من الجوع، فتخرج مؤسسات دولية تؤكد رواية أطفال غزة وتُكذِب رواية المحتل، لكن للأسف، ينتهي المطاف بتصديق رواية المجرم وتوجيه اللوم للضحية لأنها تصرخ من الجوع؛ فإلى متى تغيب العدالة؟