ليس ثمة خيارات سهلة تنتظر لبنان.. لا الدولة تتمتع بترف الانتقاء من بين خيارات وسيناريوهات متعددة، ولا حزب الله، لديه بدائل أفضل من تلك التي يختبرها بالدم والنار هذه الأيام، جل ما يمكن التفكير فيه، في هذا البحر المتلاطم من الصراعات والاستقطابات الحادة، لا يتخطى استحداث بعض الاستدارات والتعديلات الطفيفة على مقاربات الأطراف؛ بحثا عن "مشتركات" تبدو ضائعة في لجة الانقسام في كل شيء، وحول كل شيء.
وعشية بدء جولة ثالثة من "محادثات واشنطن التمهيدية" بين الجانبين، الإسرائيلي واللبناني بالرعاية الأمريكية المنفردة، صعد جيش الاحتلال- بأوامر مباشرة من المستوى السياسي- حرب الإبادة والتدمير المنهجي لقرى وبلدات على امتداد جنوب الليطاني.
ووسع دائرة استهدافاته لتشمل شمالي النهر ومناطق في البقاع، بعد أن ضرب قلب الضاحية الجنوبية، منتهكا تفاهمات سبق إبرامها بين الجانبين قبل عدة أسابيع.
وهو الأمر الذي يجعل الحكومة والرئاسة، في وضع متأزم وحرج، ويضع الحزب أيضا في موقف صعب أمام بيئته الاجتماعية التي تكتوي بنيران "سيناريو رفح وبيت حانون"، الذي تجري ترجمة فصوله في جنوب الليطاني، وعلى نحو أشد بطشا وهمجية.
لا تستطيع الدولة اللبنانية إدارة ظهرها لخيار الدبلوماسية والتفاوض، في الوقت الذي تلوذ فيه الأطراف الدولية والإقليمية المقتتلة (إيران والولايات المتحدة) بـ"مسار إسلام آباد"، ومفاوضاته المباشرة وغير المباشرة.
والحروب على اتساعها تنتهي غالبا على موائد التفاوض.. ولا أحسب حزب الله و"الثنائي الشيعي"- أو غيرهما في لبنان- يعارضان من حيث المبدأ، الانخراط في تفاوض مع إسرائيل، وإن كانا يريدان مفاوضات غير مباشرة، ولا هما من السذاجة بحيث يطالبان باستبعاد "الوسيط" الأمريكي، وإن كانا يطالبان بتوسيع مروحة الوسطاء، واستدخال أطراف إقليمية ودولية، أكثر اتزانا وتوازنا في مقارباتها للأزمة اللبنانية، إن في بعدها الداخلي، والأهم في بعدها المتصل بضرورة لجم العدوانية الإسرائيلية المتفلتة من كل قيد وعقال.
وعلى وقع اشتداد وتائر العدوان عشية أحدث جولة من المحادثات، بدا أن الفريقين اللبنانيين: السلطة والحزب، قد قررا الابتعاد خطوة صغيرة إلى الوراء؛ لتفادي الانزلاق إلى قعر هاوية الصدام الداخلي.
فما صدر من مواقف عن الحكومة والرئاسة، تشدد على ثوابت الموقف الوطني اللبناني، وتستبعد خيار التطبيع وأسلوب "المصافحات"، قابله حزب الله بترجيب حذر ومشروط، معتبرا أن "السلطة" بدأت "تعود إلى رشدها الوطني"، لافتا بشكل خاص، إلى تسريبات منسوبة للرئاسة الأولى، بأن نزع سلاح الحزب، ليس قرارا إداريا أو أمنيا يتخذ، بل هو مسار أمني، وسياسي، واقتصادي، واجتماعي، ينتهي بإنفاذ بند "حصرية السلاح"، تزامنا مع خطوات إسرائيلية مقابلة، تبدأ بوقف الحرب والانتهاكات، ولا تنتهي بوقف الحرب وعودة النازحين قسرا عن بلداتهم وقراهم في الجنوب، مرورا بتحرير الأسرى، والشروع في إعادة الإعمار.
مصافحة مسمومة
الإصرار الأمريكي على الرئيس جوزيف عون لمصافحة نتنياهو في البيت الأبيض، حتى قبل أن تلتئم مائدة المفاوضات، ينم عن أمرين اثنين: عدم اكتراث أمريكي بمصالح اللبنانيين وحساسياتهم، وحرص جامح منهم على "تعويم" بنيامين نتنياهو، الذي ما انفك ترمب يمنحه دعمه واحتضانه، فيما مصير لبنان ومصائر اللبنانيين، أقل أهمية من منظور ساكن البيت الأبيض، مقارنة مع "صورة نصر" يصنعها لنفسه، ويقدمها على طبق من فضة لشريكه "الرائع" في حربه على إيران.
وحسنا فعل الرئيس عون، حين أصغى لنصائح بعض اللبنانيين، وبعض الوسطاء العرب، وعبر عن رفضه المشاركة في "جلسة التصوير" في البيت الأبيض.
لكن هذا التطور، على أهميته، يبقى "دعسة ناقصة"، ما لم يستكمل بموقف يضع سلاح حزب الله في سياق لبناني داخلي، لا يسمح للسردية الأمريكية الإسرائيلية التي تنهض على تقديم الحزب بوصفه "عدوا مشتركا" للبنان وإسرائيل والإقليم والعالم، بأن تتحكم بالمفاوضات وتقرر نتائجها سلفا، وقبل أن تبدأ.
تلكم بداية خاطئة، إن لم نقل كارثية، لأي مسار تفاوضي بين اللبنانيين والإسرائيليين، لا سيما أن هناك في تل أبيب، من يراهن على أنها قد تفتح بابا لـ"شرعنة" العدوان الإسرائيلي على لبنان، بل وينتظر يائسا، لحظة قيام أطراف لبنانية، والأفضل أن تكون رسمية، باستدعاء "الحماية الإسرائيلية"، في استعادة مقيتة لما حصل في سنوات الحرب الأهلية، وصولا لاجتياح العام 1982 واحتلال بيروت، وهو "رهان" يبدو متعذرا في المدى المنظور على أية حال، في ضوء إكراهات الوضعين؛ الداخلي والإقليمي المحيطين بلبنان.
يمكن للبنان أن يشرع في تصحيح المسار، والعودة إلى فكرة "التفاوض غير المباشر"، وإن كان لا بد من مفاوضات مباشرة، فلتكن على مستوى عسكري وفني، ودبلوماسي محدود، والذي قد يتطور ويرتقي بتطور المفاوضات، حال وصولها لنتائج تحفظ للبنان حقوقه ومصالحه السيادية التي يكاد يجمع عليها، اللبنانيون من مختلف الأطراف.
ويمكن للبنان، أن يكثف جهوده على مسارات متوازية ومتزامنة عديدة، وعدم الاكتفاء بوضع 99.9% من أوراق الحل بيد واشنطن، فالأخيرة هي جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل، والدبلوماسية اللبنانية مطالبة بالتفكير بكيفية الاستفادة من "مسار إسلام آباد"، لا لجهة وضع الملف اللبناني في يد المفاوض الإيراني، فهذا ضرب من الخيال.
ولا أحسب أن عاقلا في طهران ينتظر نتيجة كهذه، وأيضا أن تسعى الدبلوماسية اللبنانية في استحضار وتفعيل ثلاثي الوساطة العربية-الإسلامية الذي "اشتغل" على ملف غزة، وأن تستدخل إليها أطرافا أوروبية صديقة للبنان، ومتفهمة لحقائق المشهد اللبناني بالغ التعقيد.
والأهم من كل هذا وذاك، أن تبدد مظاهر الاستقطاب الداخلي، وتعمد إلى تفتيح قنوات الحوار الوطني، فلا أحد يذهب إلى جبهة مواجهة مع العدو، عسكريا أو دبلوماسيا، بجبهة داخلية منقسمة على نفسها، وتقف على شفا حفرة من حرب أهلية.
السلاح في سياقه الوطني
في المقابل، يتعين على الحزب، وهو يخوض واحدة من أشرس معاركه مع الاحتلال، أن يدرك بأن الاستقواء بمسار إسلام آباد، أمر قد يكون مفيدا له وللبنان، ولكنه ليس بديلا عن مسار "استعادة زمام المبادرة" الذي تتحدث عنه السلطة، وأن يضع سلاحه في خدمة الأهداف الأربع الكبرى التي يتوافق بشأنها معظم اللبنانيين.
يدرك حزب الله بلا شك، أنه باستثناء إيران، وأقل من نصف اللبنانيين، فإن بقية الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، لن ترتضي العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وأن مواقفها تراوح ما بين استئصال الحزب واقتلاعه من جذوره (إسرائيل والولايات المتحدة) والبحث عن "حلول سياسية" لسلاحه من خلال إحياء اتفاقيات الهدنة (وإن معدلة بعض الشيء)، وإدماجه بصورة أكبر في النظام اللبناني، تحت سقف اتفاق الطائف، وبعد تطبيقه بمختلف مندرجاته.
الحزب ما زال يقاتل للبرهنة على جدية وجدوى سلاحه، وقدرته على تحقيق وظائفه التاريخية الثلاث: الحماية، والردع والتحرير، لكنه يفعل ذلك بشروط أصعب بكثير من تلك التي عاشها ومر بها طيلة العقود الأربعة الماضية.
وهو إذ يبلي بلاء حسنا، بل ومفاجئا في ميادين المواجهة مع جيش الاحتلال، إلا أنه يقف على عتبات مفترق إقليمي حاسم: ماذا لو أبرمت إيران اتفاقا مع واشنطن لإنهاء الحرب عليها؟ وماذا لو نجحت في تعميم هذا الاتفاق على مختلف "المسارات المتلازمة"، وفي المقدمة منها لبنان، كما تطالب رسميا وعلنيا؟ ما الدور الذي سيبقى للسلاح لبنانيا، إن أمكن تحقيق الأهداف الأربعة موضع الإجماع، لا سيما بعد أن انتفى الدور الإقليمي لهذا السلاح، أو يكاد؟
من حق الحزب، ومن واجب الدولة، النظر بعين الحذر والشك، لما تستبطنه الإستراتيجية الإسرائيلية للبنان، من حقه ومن واجب الدولة، عدم الركون لعهود وتعهدات فضفاضة، ينتهي مفعولها قبل أن يجف حبرها، من حقه الركون إلى دعم طهران، لكن من واجبه توسيع مروحة الخيارات المتاحة أمام الدولة في حراكها السياسي والدبلوماسي، وإن بوضع ضوابط ومحددات متفق عليها لهذا الحراك.
ومن واجب الدولة، أن تستنهض دبلوماسيتها، لتكون دبلوماسية "دولة" لا دبلوماسية فريق يتولى حقيبة الخارجية، من واجبها تفعيل مسارات التحرك على خط القاهرة- الرياض- الدوحة- أنقرة- إسلام آباد- باريس وغيرها، وعدم الركون إلى "الوسيط الأمريكي" الذي تكاد تنعدم الفواصل بينه وبين المحتل الإسرائيلي.
من واجب الدولة، تفادي الانزلاق في مقامرات غير محسوبة، ودرس "أوسلو" وما قبله وما بعده، يجب أن يظل ماثلا أمام ناظريها، وثمة الكثير مما يمكن تعلمه من تجربة الوساطة الأمريكية، غير البريئة، في غزة.
لا خيارات سهلة أمام الدولة والحزب، ولا بديل عن حوار وطني يرسم معالم خريطة طريق للخروج من الاستعصاء، ولا ينبغي للبنان أن يفوت بانقساماته الداخلية، ما يمكن أن يكون بداية نهاية لدرب الآلام الذي سار عليه منذ نصف قرن أو يزيد.