تجميد الحسابات والنظام المالي

نشر 10 مايو 2026 | 15:07

في قضية تجميد الحسابات في بنك فلسطين، لا يمكن التعامل مع ما يجري كـ"إجراءات مصرفية تقنية" كما يتم الحديث، بل نحن أمام نموذج اقتصادي أعمق يتعلق بإعادة هندسة كاملة للنظام المالي في غزة، لكن بطريقة تُحمّل المواطن الكلفة الأكبر.

بنك فلسطين هنا ليس لاعبا مستقلا يقرر كيف ومتى يُجمد الحسابات، بل هو جزء من منظومة امتثال مالي ورقابي مرتبطة بسلطة النقد، والتي بدورها تعمل ضمن شبكة رقابة دولية معقدة تتعلق بتتبع حركة الأموال وتصنيف مصادرها. بمعنى آخر، ما يحدث هو تنفيذ لسياسات رقابية لا يملك البنك ترف تجاوزها، حتى لو كانت نتائجها صادمة على مستوى الواقع المعيشي.

 من الناحية الاقتصادية، المشكلة ليست في "التجميد" بحد ذاته، بل في توقيته داخل اقتصاد منهك، غزة تعاني من انهيار حاد في السيولة وتراجع كبير في النقد المتداول، ما جعل الناس تعتمد بشكل شبه كامل على حساباتهم البنكية. وبالتالي عندما يتم تعطيل هذه الحسابات، فأنت عمليا لا توقف خدمة مالية بل توقف جزءا من الدورة الاقتصادية اليومية، من استهلاك ورواتب وتجارة وتحويلات.

الأخطر أن هذه السياسات تتزامن مع انتقال قسري نحو "اقتصاد رقمي مراقب" حيث يتم تقليل النقد ودفع المعاملات نحو القنوات الإلكترونية. وبالتالي نظريا قد يرفع كفاءة النظام المالي ويقلل التهرب، لكن عمليا في بيئة مثل غزة هذا التحول يحدث بسرعة تفوق قدرة المجتمع على التكيف ما يخلق صدمة اقتصادية مباشرة على الأفراد والشركات.

هنا يظهر الخلل الحقيقي، والذي يتمثل في غياب الشفافية في تفسير قرارات التجميد وتفاوت تطبيقها ما يضرب الثقة في النظام المصرفي نفسه. ومع تآكل الثقة يبدأ الاقتصاد غير الرسمي بالاتساع كبديل وهو ما يعاكس تماما الهدف المعلن لأي عملية "تنظيم مالي".