خمسة وستون يوما، مرّت بحرب فريدة من نوعها في التاريخ الحديث، وذلك قياسا بالحروب العالمية والإقليمية بين الدول، كما بين الحروب الشعبية والدول الاستعمارية، أي التي عُرِفت بحروب الاستقلال والتحرّر الوطني.
طبعا، هذه الفرادة هي حالة عامّة بالنسبة إلى كل حرب، بمعنى أن لكل حرب فرادتها وخصوصياتها، ولكن الفرادة في هذه الحرب يمثلها دونالد ترامب، بشخصيته الفردانية، وقراراته المتقلبّة، وسيطرته على القوّة العسكرية الأمريكية الأكبر في العالم، وذلك بما يسمح لغروره المتصهين بأن يهدّد دولة وشعبا عريقين بالإفناء.
وقد أثبتت تجربة الحرب الأمريكية- الصهيونية، عجزها عن إخضاعهما، أو فرض الاستسلام عليهما، ولكن أثبتت أيضا نديّة إيران، بالصمود والقتال، ودقة استخدام السياسة، وإدارة الحرب.
وقد حُسم الانتصار في هذه الحرب منذ أسبوعها الأول، حين فشل ترامب ونتنياهو في تحقيق هدفهما الأساسي من الحرب، وهو هدف الإطاحة بالنظام الإسلامي، وإعلان الاستسلام، وأصبحا في ورطة مُربكة. ولندع نتنياهو، الذي تحوّل إلى منفذ مطيع لقرارات ترامب، جانبا، فيما راح ترامب يتخب، في كيفية الخروج من هذه الحرب، بأقل خسارة معنوية ممكنة.
وهذا ما يفسّر الوضع الراهن للحرب، الذي تحوّل إلى هدف السيطرة على مضيق هرمز، بل مجرد تطبيق ما أسماه ترامب مشروع الحريّة (ممر من الممرات). ودُحرت إلى الخلف أهداف تغيير النظام، والتخلص من النووي والبالستي، واستراتيجية إيران الإقليمية. فقد تحوّلت الحرب الآن، لتركز على مضيق هرمز، الذي تسيطر عليه إيران.
وبهذا، عاد التصعيد إلى أشدّه، وعاد احتمال العودة إلى الحرب بأعلى درجاتها على الأجندة، وذلك بنقل الحرب إلى فتح ممر من هرمز بالقوّة الأمريكية، خارجا عن سيطرة إيران على مضيق هرمز، وذلك بدفع السفن، تحت حماية الصواريخ والطائرات، وتحت تهديد إيران بمحوها من الخريطة إذا هاجمت السفن، مما وضع حدّ السيف الأمريكي أمام حدّ السيف الإيراني، الذي يشهره الحرس الثوري والجيش في مواجهة خطة ترامب، وتهديداته.
دخلت الحرب في مرحلة يغلب فيها احتمال المواجهة العسكرية، على احتمال المراوحة بين سياسة وقف إطلاق النار، وإبقاء باب التفاوض مفتوحا، والتهديد بالحرب متداولا
وبهذا، دخلت الحرب في مرحلة يغلب فيها احتمال المواجهة العسكرية، على احتمال المراوحة بين سياسة وقف إطلاق النار، وإبقاء باب التفاوض مفتوحا، والتهديد بالحرب متداولا.
على أن المسألة، التي يجب أن تبقى حاضرة، ليست ما يمكن أن يقرّره ترامب، بالرغم من جنوحه إلى الجنون، بل هي ما يتعرض له من ضغوط أمريكية داخلية، أطاحت بشعبيته إلى الحضيض، وأخذت تتهدّده حتى بالسقوط، إذا ما استمر بسياساته الفاشلة، التي قضت على كل ما وعد به في معركته الانتخابية، كما أن انحيازه للصهيونية، التي أخذت تتراجع بنظر الرأي العام الأمريكي والأوروبي، راح يزيد من عزلته الداخلية.
وبكلمة، إن مجموعة الضغوط التي يتعرّض لها ترامب، أمريكيا وأوروبيا وعالميا، تعمل في الضغط عليه، ضدّ جنوحه إلى الجنون، وضدّ احتمال تغلّب المواجهة العسكرية.
هذه الضغوط، الى جانب التحدّي الإيراني، تفسّر لماذا تراجع ترامب وجمّدّ مشروع الحرية، بعد يوم من إعلان تنفيذه، طبعا من دون أيّة ضمانة لعودة سريعة إليه. فترامب في ضياع بين التراجع وابتلاع هزيمة، وبين العودة للحرب، أو إبقاء العودة للحرب تهديدا دائما، وذلك بالرغم من تراكم الفشل والخسائر، والضغوط عليه.