بالنسبة إلى حكومة جرائم الحرب الإسرائيلية، كل اتفاقٍ لوقف إطلاق النار ينطبق فقط على الطرف المقابل. ... التزم حزب الله عشرة شهور بالاتفاق وخرقته إسرائيل عشرة آلاف مرّة، حتى بدأ العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران وانفجرت الحرب مجدّداً. وبعد إعلان وقف إطلاق النار الجديد، واصلت إسرائيل احتلالها وتدميرها وقصفها مئات القرى والبلدات والمدن اللبنانية، وتتواقح بالاحتجاج على أن اللبنانيين يردون على اعتداءاتها بالدفاع عن النفس.
وفي قطاع غزّة، لم يعنِ اتفاق وقف إطلاق النار برعاية أميركية توقف إسرائيل عن القصف، رغم التزام دقيق به من الجانب الفلسطيني. ومنذ إعلان الاتفاق في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، خرقته إسرائيل أكثر من 2300 مرّة، وأودت بحياة ما يزيد على 820 شهيداً فلسطينياً، وجرحت أكثر من 2280. وخلال ما يسمّى "وقف اطلاق النار" واصلت إسرائيل قصف القطاع بالطائرات والمسيّرات والمدفعية وقذائف الدبابات. وعملت على توسيع المنطقة التي تحتلها، ويسمّونها "المنطقة الصفراء"، التي تتجاوز مساحتها 55% من القطاع، بل استمرّت في هدم كل بناء قائم في تلك المنطقة، منزلاً كان أو مسجداً أو عيادة طبية أو مدرسة أو روضة أطفال. ولم نسمع من الإدارة الأميركية راعية الاتفاق احتجاجاً واحداً على ما تقوم به إسرائيل، بل واصلت إدارة ترامب الصمت عن تسليح إسرائيل خمس مجموعات من العملاء ذوي السوابق الإجرامية، واستمرّت في مطالبتها بنزع ما تبقى من سلاح خفيف بيد الفصائل الفلسطينية، من دون أن تطالب إسرائيل بوقف إطلاق النار أو الانسحاب من قطاع غزّة، أو إنهاء وجود عصابات العملاء.
ولا تسلم الضفة الغربية من اعتداءات لا تتوقف، التي تُسلب أراضيها كل يوم، وتدمر منازلها وبيوتها على يد عصابات الإرهاب الاستيطانية، وجديد جرائمها ارتكاب مجزرة ضد مدرسة للأطفال في المغير، بحماية جيش الاحتلال ومشاركته. وقد وصل عدد شهداء الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر (2023) إلى 1150، وتجاوز عدد الجرحى 11 ألفاً، فيما يتعرّض الأسرى الفلسطينيون للقمع الوحشي والتجويع والتعذيب، وفي بعض الحالات للاغتصاب، وحرمانهم العلاج الطبي، ما أودى بحياة 91 أسيراً فلسطينياً في تلك الفترة وحدها.
ما هو وقف إطلاق النار إن لم يكن يعني وقفه من الجانبين؟ وماذا يعني إن لم يشمل وقف الاعتداءات والنهب والقمع والتنكيل؟... منطق حكام إسرائيل المدعوم من حلفائهم أن وقف إطلاق النار ينطبق على الفلسطينيين واللبنانيين، فيما تستمر إسرائيل بالبطش بهم وبحقوقهم، وتستمر باحتلال أراضيهم وسلبهم حقّ تقرير المصير. وهذا المنطق، بكلماتٍ أخرى، محاولة لسلب الفلسطينيين واللبنانيين أي حق في المقاومة، ومحاولة لإلغاء حقهم في مقاومة الظلم والعدوان مهما بلغت شدته.
وتحاول إسرائيل فرض المنطق الإمبريالي نفسه على كل دول المنطقة، وذلك يشمل جميع الدول العربية وتركيا وليس إيران فقط. ... منطق يذكرنا بسلوك الاستعمارين، البريطاني والفرنسي، عندما كان المقاومون يُعدمون شنقاً أو بالرصاص، لأنهم كانوا يطالبون بحرية شعوبهم ويناضلون لتحقيقها.