"يهودا والسامرة".. تحقيق نبوءة يهودية أم دعاية لابتلاع الضفة؟

نشر 29 ابريل 2026 | 21:43

لم يكن قرار مجلس الشيوخ في ولاية أريزونا الأمريكية الداعي إلى استخدام مصطلح "يهودا والسامرة" بدلا من "الضفة الغربية" عابرا؛ بل هو نتاج واضح لسياسة إسرائيلية داخلية وخارجية تحاول طمس الهوية الفلسطينية على مدار عقود، من خلال توسيع الاستيطان، إلى جانب تسخير اللوبيات حول العالم لتزييف الرواية حول الأرض، لتصبح "يهودا والسامرة" واقعا مفروضا.

ورغم أن قرار أريزونا جاء "تصريحيا" ولا يملك قوة قانونية ملزمة، فإن التوقيت الذي طُرح فيه يتزامن مع حملة استيطان وتوسع إسرائيلي غير مسبوق في الضفة الغربية، كما أنه يحمل بعدا سياسيا يهدف إلى التأثير على السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي تُحدد في واشنطن، إذ لا يزال المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية الرسمية يعرّفون المنطقة في الغالب بأنها "الضفة الغربية".

وجاء قرار ولاية أريزونا كترجمة فعلية لما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في يناير/كانون الثاني الماضي، عن حراك سياسي يقوده قادة المستوطنات الإسرائيلية في الولايات المتحدة للترويج لما يُعرف بـ"قانون يهودا والسامرة"، الذي يهدف إلى استبدال مصطلح الضفة الغربية بـ"يهودا والسامرة" في الوثائق الرسمية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة.

كل ذلك يتسق تماما مع التصريحات التي أطلقها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قبل أيام حين كشف أن "عمليات التوسع الاستيطاني المتسارعة في الضفة الغربية تجري بتنسيق ودعم من الإدارة الأمريكية الحالية"، وفقا لما نقلته صحيفة "جيروزاليم بوست" عن الوزير اليميني المتطرف.

وقال سموتريتش إن "جميع الإجراءات المتخذة في الضفة الغربية قد تم تنسيقها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي".

من أين جاءت تسمية "يهودا والسامرة"؟

تستند المزاعم الإسرائيلية بشأن "يهودا والسامرة" إلى تفسيرات توراتية تقول إنه بانقسام مملكة إسرائيل الموحدة نشأت السامرة وهي عاصمة الشمال نحو عام 930 قبل الميلاد، قبل أن يسقطها الآشوريون، بزعم أنها تقع شمال الضفة الغربية وأهم مدنها نابلس وسلفيت وطولكرم وجنين، وتكتمل المزاعم بالادعاء أن "مملكة يهودا" تقع جنوب الضفة الغربية وعاصمتها القدس، وأنها استمرت حتى عام 586 قبل الميلاد، عندما أسقطها البابليون وهُدم الهيكل الذي يبحثون عنه تحت المسجد الأقصى.

وتغيب الأدلة التاريخية التي تدعم مزاعم اليهود بشأن "يهودا والسامرة"، حيث لا يوجد أثريا وتاريخيا ما يدعم هذه المزاعم خصوصا في القدس، والثابت أن فلسطين القديمة أرض كنعانية عاش فيها سكان أصليون قبل 3 آلاف عام على الأقل من المرويات الإسرائيلية، ولهم آثار قائمة في أريحا وعسقلان والقدس وفي السجلات المصرية والآشورية.

كما أن السردية التوراتية تقابلها دينيا عقيدة إسلامية تقع مدينة القدس في قلبها ولها تأصيلها الديني، فمن يسمونهم ملوك إسرائيل هم في الإسلام أنبياء على ملّة إبراهيم الذي لم يكن يهوديا.

ويزعم المتدينون اليهود الصهاينة أن أرض الضفة الغربية يجب أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية لأجل بناء جبل الهيكل، لذلك انطلقوا في بناء ما يسمى "المذبح"، لنقله إلى المسجد الأقصى كمرحلة أولى في مخطط إعادة بناء الهيكل.

يُشار إلى أن عام 2025 شهد موافقة اللجنة الوزارية لشؤون التشريع في الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولية على مشروع قانون تغيير تسمية "الضفة الغربية" إلى "يهودا والسامرة"، كما أصدر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي أوامر لموظفيه باستعمال اسم "يهودا والسامرة" في المراسلات الرسمية والاتصالات والتوثيق.

اتفاقيات نسفها التوسع الاستيطاني

قبل أن نتحدث عن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي لنسف مفهوم الضفة الغربية وفرض "يهودا والسامرة" يجب أن نفهم أولا كيف صنّفت اتفاقية أوسلو2 عام 1995 أراضي الضفة الغربية.

نص الاتفاق على تقسيم الضفة إلى 3 مناطق. المنطقة "أ" وتشمل مراكز المدن، عدا القدس، وتخضع لسيطرة فلسطينية كاملة، المنطقة "ب" التي تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية لكنْ مع سلطة مدنية فلسطينية، وأخيرا المنطقة "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة مع صلاحيات مدنية محدودة للسلطة الفلسطينية، وهذه المنطقة تشكل نحو 61% من أراضي الضفة الغربية.

كما نصت الاتفاقية على أن إسرائيل ستنسحب من المدن الفلسطينية وفق خطة تدريجية تنتهي في أبريل/نيسان 1994، على أن تُدشن خلالها مرحلة انتقالية تنتهي بتأسيس دولة فلسطينية، وبعد أن جاء الوقت المحدد من عام 1994، لم يجر شيء من الطرف الإسرائيلي، وتوالت السنين وظل الحضور الإسرائيلي يتسع، والسيطرة الفلسطينية تتقلص.

ولا يمكن عزل الاستيطان والتوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية عن الأسطورة الدينية اليهودية التي تصنف المنطقة ذات أهمية دينية تفوق باقي الأراضي الفلسطينية التي تحتلها إسرائيل اليوم، باستثناء القدس وحدها. لذلك يحاول أتباع الحركة الصهيونية نسج أسطورتهم الدينية حول هذه المنطقة التي يُفترض أنها تتبع قانونيا لدولة فلسطينية اتُّفق مسبقا على إنشائها بمباركة القادة الإسرائيليين أنفسهم في أوسلو وما بعدها.

الضم الزاحف

اليوم، لم تعد المجاهرة بضرورة الاستيطان وإفراغ الأرض من الفلسطينيين أمرا مخفيا، فقد صادق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي في فبراير/شباط الماضي على حزمة إجراءات من أجل تكريس سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية المحتلة، وتوسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية.

ومن أبرز التعديلات في الحزمة الجديدة -التي أثارت القلق الدولي- إلغاء قانون قديم كان يمنع اليهود من شراء أراضٍ بشكل مباشر في الضفة الغربية منذ 1967. ففي السابق، كان المستوطنون مضطرين لاستخدام شركات وسيطة لشراء الأراضي، أما الآن فلن تكون هناك حاجة لأي تراخيص خاصة أو وسطاء.

 

وبعد حزمة الإجراءات خرج وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش ووزير الدفاع يسرائيل كاتس في بيان قالا فيه إن "المجلس الوزاري الأمني وافق على سلسلة من القرارات… التي تغير بشكل جذري الواقع القانوني والمدني في يهودا والسامرة".

لم يكتفِ سموتريتش بذلك، فقد أضاف أيضا أن "هذه الخطوة تهدف إلى تعميق جذورنا في جميع مناطق أرض إسرائيل ودفن فكرة قيام دولة فلسطينية".

بدوره، اعتبر كاتس أن "يهودا والسامرة هي قلب البلاد، وتعزيزها يمثل مصلحة أمنية ووطنية وصهيونية بالغة الأهمية".

كم تبقى من الضفة الغربية؟

وفقا لتقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية في مارس/آذار الماضي، فإن نحو 542 مستوطنة وبؤرة استيطانية إسرائيلية تنتشر في الضفة الغربية ويقطنها جميعا أكثر من 780 ألف مستوطن.

وذكرت الهيئة أن للمستوطنات سيطرة كاملة على ما يزيد عن 42% من مساحة الضفة، موضحة أن نحو 61% من مساحة الضفة الغربية تقع ضمن المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاق أوسلو 2 لعام 1995، الخاضعة للسيطرة الأمنية والمدنية الإسرائيلية الكاملة.

وأشارت إلى أن أكثر من 70% من أراضي "ج" تخضع لإجراءات ومسميات استيطانية، منها "أراضي دولة، ومحميات طبيعية، ومناطق تدريب عسكري".

وتصاعدت اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين بالضفة خلال العامين الماضيين، بالتزامن مع حرب الإبادة على غزة، التي دخل وقف إطلاق النار فيها حيز التنفيذ يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وسط تحذيرات دولية من ضم الضفة.

ومع وصول عدد المستوطنين إلى أرقام قياسية وتلاشي الحدود الفاصلة بين المناطق "أ" و"ج"، يبدو أن الاحتلال يسابق الزمن لتحويل "الضفة" من أرض محتلة وفق القانون الدولي إلى "إقليم سيادي" وفق الرؤية اليمينية المتطرفة.

ويتضح في نهاية المطاف أن استبدال مسمى "الضفة الغربية" بـ"يهودا والسامرة" ليس مجرد تعديل لغوي في أروقة المجالس التشريعية أو الوثائق الرسمية، بل هو "حرب مصطلحات" تمهّد الطريق لحسم الصراع على الأرض.