"فلسطين ليست قضيتي"

نشر 26 ابريل 2026 | 12:02

ما سبق ليس مجرد عنوان لمقال، إنما تعبير ساخر يردده بعض المثقفين العرب، على أنه إعلان تحرر من إرث ثقيل، أو تمرّد على سردية جماعية فقدت صلاحيتها الأخلاقية. 

في لحظة ما، تحوّلت فلسطين من رمز جامع إلى ملف متروك، ومن قِبلة للنضال إلى مرآة مشروخة لا يرغب كثيرون في النظر فيها.

والسؤال الأهم: هل تراجعت فلسطين لأنها لم تعد قضيةً عادلةً، أم لأنّ الفلسطيني نفسه لم يعد قادراً على أن يكون صوتها؟

من موقعنا كفلسطينيين في الداخل، لا نرى هذا التراجع من شرفة التنظير، بل من قلب التناقض. نرى كيف تفتّت الخطاب الفلسطيني بين سلطتين، وكيف خسر اللاجئ صوته بين حق العودة وحق الحياة، وكيف تحوّلت غزّة إلى غابة صمت، والضفّة إلى سلطة عاجزة، والشتات إلى أصداء لا يسمعها أحد.

لكننا نرى، أيضاً، أنّ هذا العنوان الساخر؛ "فلسطين ليست قضيتي"، ما كان ليُكتب بهذه الجرأة، لولا أنّ الفلسطيني صدّر للعالم العربي صورته الممزقة، وخطابه المنقسم، وقضيته التي تتنازع عليها الفصائل لا الشعوب.

 

هذا المقال ليس دفاعاً عن أحد، بل مساءلة مزدوجة موجهة إلى من يقول إنّ فلسطين ليست قضيته، وإلى من جعلها تبدو كذلك.

حالة التفكك… أو الهوية كعبء

ما الذي يفعله الفلسطيني بنفسه، حين يتنازع تمثيله السياسي بين سلطتين، ويتناحر مشروعاه الوطني والإسلامي على حساب دمائه، وتتحوّل غزّة إلى قلعة محاصرة بالدم، والضفة إلى كيان إداري مأزوم، والقدس إلى ميدان مقاومة وحيد، تُترك فيه البيوت للهدم والناس للمواجهة العارية؟

السؤال لا يتعلق بالأداء السياسي أو بفشل القيادة فحسب، بل بتآكل المعنى المشترك للقضية ذاتها. ما تبقّى من "المشروع الوطني" تحوّل إلى جهاز بيروقراطي عاجز مشغول بإدارة أزمة دائمة، وما خرج عن "أوسلو"-سواءً أيّدناه أو عارضناه- عجز عن بناء بديل جامع يُطمئن الفلسطيني أولاً.

حين وقّعت السلطة اتفاق "أوسلو"، وعدت الشعب بدولة مستقلة. لكن الواقع أنها باتت تستأذن الاحتلال لإصلاح شارع في الضفة. ولمّا تسلّمت "حماس" السيطرة على غزة، رفعت شعار تحرير فلسطين. لكنها سرعان ما وجدت نفسها تدير كياناً محاصراً يدفع الثمن وحده. هذا التناقض ولّد حالةً من الإنهاك الوطني وفقدان الثقة.

في كل مكان، يمتلك الفلسطيني خطاباً مختلفاً عن الفلسطيني الآخر. رام الله تخاطِب الأمم المتحدة. غزّة تخاطب العالم من تحت الركام. الشتات يخاطب الحنين. وفي الداخل، نخاطب دولةً لا تعترف بنا إلا كـ"تحدٍّ ديموغرافي". 

يتوزّع الشباب بين ولاءات فصائلية أو خيارات فردية، كالهجرة أو الاغتراب الذاتي، لأنّ أحداً لا يقول لهم بصدق: هذه هي فلسطين، وهكذا نبنيها.