طوفان الأقصى والقمم الثلاث

نشر 24 ابريل 2026 | 22:26

ثلاثةُ قممٍ قلّما تجتمع في حركة التاريخ.. اجتمعت كلها في طوفان الأقصى. وهي قممٌ إن اجتمعت فهي، والله أعلم، إيذان بتغيير كبير، وبشير ونذير بمرحلة تحوُّل قادمة.

قمة الطغيان:

ظهرت قمة الطغيان عندما أخرج الكيان الصهيوني "أسوأ ما لدى البشرية" من جرائم ومجازر وحشية وحرب إبادة وتدمير للبشر والشجر والحجر، دونما اكتراث للمعايير والقيم الإنسانية، وتعامل مع أهل غزة كـ"حيوانات بشرية" ولم يكترث بإزهاق أرواح أكثر من 20 ألفا من الأطفال، وأكثر من 12 ألفا من النساء معظمهن من الأمّهات. كما تعمّد تدمير المستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس وآبار المياه، وتعمّد اصطناع المجاعة، ولم يكن ثمة اعتبار للمؤسسات الدولية ولا للقوانين الإنسانية.

وزاد من حالة الطغيان ما رافقها من غرور وعجرفة ووقاحة، بارتكاب المجازر الوحشية، بينما تُنقل للعالم في بثٍّ مباشر لم يسبق له مثيل. وعمّق حالة الطغيان تولّي نتنياهو رئاسة الوزراء ومعه حكومة هي الأشدّ سوءا وتطرفا في تاريخ الكيان الإسرائيلي. وعبّر نتنياهو عن نرجسية عالية باعتباره "ملك إسرائيل" وأحد أكبر العظماء في تاريخ "بني إسرائيل"؛ وتم نقل حالة الطغيان لتعمّ المنطقة، ويصرح مرات عديدة بأنهم يعيدون تشكيل الشرق الأوسط وفق معاييرهم؛ في الوقت الذي يمارسون فيه نفوذهم على مراكز صنع القرار في العالم.

وترافق مع قمة الطغيان الإسرائيلي قمة طغيان أمريكي عالمي، خصوصا مع تولّي ترامب الرئاسة الأمريكية. هذا الطغيان يتّسم بالغرور والفوقية، ولا يكترث بالأخلاق والقيم والمبادئ، ولا يحترم المؤسسات الدولية؛ ويَعدُّ نفسه فوق القانون؛ ويرى العالم غابة يفرض فيها الأقوياء سطوتهم، ولا مكان فيها للضعفاء. وهو طغيان يستخفّ حتى بالحلفاء والأصدقاء، ويرى في الدول العربية الغنية "بقرا حلوبا" يُمارِس معها سلوكا انتهازيا ابتزازيا. أما ترامب نفسه، فهو يمثل أكبر نموذج في التاريخ الحديث والمعاصر للنرجسية والشعور بالعظمة.

إنها حالة من العلو والفساد والإفساد، وصلت إلى قمتها بتماهي الطغيان الصهيوني مع الطغيان الأمريكي، لتأخذ شكل إقليميا عالميا.

قمة الإيمان:

تجلّت قمة الإيمان في أهل غزة، في مجاهديها وفي حاضنتها الشعبية، قمةٌ لعلّنا لم نرَ لها مثيلا منذ مئات السنين؛ قمة قدمت "أفضل ما لدى البشرية". ففي قطاع غزة اجتمعت أرقى معاني الإيمان والبطولة والتضحية والصبر والثبات، والاحتساب والتوكّل على الله؛ وبرزت مئات، بل آلاف النماذج التي أعادت نماذج الصحابة والتابعين؛ وهي نماذج تجلَّت في المجاهدين وفي النساء والأطفال والشيوخ، وتجلّت في قطاعات المجتمع وكافة طبقاته، كما تجلَّت في الأطباء والمعلّمين وفرق الإسعاف والصحفيين.. وغيرهم. هذه النماذج التي شاهدها العالم، فهزَّت وجدانه، وحرّكت مشاعره وغيّرت قناعاته؛ فسقطت السردية الصهيونية، وصعد وهيمن الحق الفلسطيني وسرديّته، وأقبل الملايين ليتعرّفوا على الإسلام، وعلى الوقود الإيماني والمعنوي الهائل الذي جعل هذه القلّة المستضعَفة تسمو بإيمانها وتقبض على الجمر، وتستعلي على أهوال المذابح والدمار والتهجير والتجويع.

رأى العالم بأمّ عينيه كيف يُدمّر المجاهد بإمكانات متواضعة دبابة الميركافا، وكيف يصبر على الجوع شهورا يعتاش على تمرات قليلة، وكيف يفشل الاحتلال ومعه القوى العالمية في انتزاع أسير إسرائيلي واحد من يد المقاومة على مدى سنتين؛ وكيف تقف فتاة بين 16 شهيدا من أهلها وهي تحتسبهم بعزة وكرامة في سبيل الله (ومئات النماذج على منوالها)؛ وكيف يصمد أكثر من مليونين في وجه الإبادة والتهجير والتجويع المُنظَّم، وكيف يعود أكثر من 700 ألف غزاوي في بضعة أيام إلى منازلهم وبيوتهم المُدمّرة بعد إعلان الهدنة.. وغيرها كثير.

لقد أقامت غزة الحُجّة على الأمة، شاهدة وشهيدة، ولم تُبق عذرا لأحد.

قمّة الخذلان:

تجلّت قمّة الخذلان في أسوأ صورها في طوفان الأقصى، خصوصا في البيئة العربية والإسلامية الرسمية. وشارك عدد من الأنظمة في الحصار، وفي التآمر على المقاومة والتحريض عليها، من فوق الطاولة ومن تحتها. وحافظ عدد من الأنظمة على علاقته السياسية والاقتصادية بالكيان الإسرائيلي، واكتفى بإجراءات رمزية وإدانات خجولة لسلوك الاحتلال ذرّا للرماد في العيون؛ بينما سعى لتشويه صورة المقاومة وحصارها إعلاميا، وحتى تقديم وجهة النظر الإسرائيلية، ومتابعة إشغال الناس بوسائل اللهو والترفيه. كما تابع بعضها توفير طرق الإمداد الغذائي والتجاري للاحتلال، وقام عدد منها بمنع المظاهرات وحملات التضامن الشعبي مع المقاومة ومع قطاع غزة، وأفشل أو أضعف حملات المقاطعة وجمع التبرعات؛ ووفّر أطرا ضيّقة هزيلة بديلة تحت سيطرته وهيمنته.

مع السنن وحركة التاريخ:

أبلغ وأدق وصف لما عشناه في طوفان الأقصى، تجده في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطائفة المنصورة المرابطة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدّس، التي لا يضرّها من خالفها ولا من خذلها (قمّة الإيمان في مواجهة قمّتَي الطغيان والخذلان). وجاء في رواية صحيحة للحديث: "إلا ما أصابهم من لأواء، فهم كالإناء بين الأَكَلَة" (من رواية أبي أمامة الباهلي في مسند عمر)؛ وهل رأيتم إناء بين الأكلة، كما رأيتم حال غزة وهي تعاني التوحّش الصهيوني الأمريكي الغربي، وتآمر وتحريض المنافقين والمخذِّلين؟! وكأننا برسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بيننا على مرتفع يصف المشهد كله ومآلاته في سطرين فقط.

مع طوفان الأقصى بلغ الطغيان منتهاه، وبلغ الإيمان منتهاه، وبلغ الخذلان منتهاه. ومن قراءتنا لسنن الله سبحانه، أنّ الطغيان إذا عمَّ وساد، وحافظت الفئة المؤمنة على صبرها وثباتها، فإنّ ذلك مؤذن بالتغيير. قال تعالى: "وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)" (الفجر: 10-14)، وقال تعالى: "حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ" (يونس: 24).

وثمّة "استدراج" للاحتلال الإسرائيلي بوقوعه في "إغراء" السيطرة والهيمنة بحروبه في لبنان وإيران وتغوُّله على سوريا ليُدخل المنطقة كاملة في "العصر الإسرائيلي"، وثمة استنزاف لإمكاناته وقدراته مع سوء تقدير لشعوب المنطقة وأصالتها وعمقها الإسلامي والحضاري والتاريخي، وثمة توسيع لدائرة الصراع لتصبح (أو لترجع بكلمة أدق) القضية قضية الأمة كلها، بعد أن أصبحت المنطقة كلها في دائرة الخطر والاستهداف، وبالتالي دخلت، أحبت أم كرهت، في دائرة تَحمُّل المسؤولية.

وثمة لغة تحريض دينية صهيونية أمريكية مكشوفة، تدفع أهل المنطقة لاسترجاع هويتهم الدينية الحضارية في صورتها التي تجمع العزة والكرامة، مع روح التسامح والاعتدال واستيعاب الآخرين، لتقدّم بديلها الأفضل للبشرية، مقابل حالات التعصّب والعدوان والاستكبار.

وباختصار، فكأنّه ثمة إعداد ربّاني لمسرح المنطقة في قادم الأيام، يُحقُّ فيها الحقّ ويُبطَلُ فيها الباطل؛ فلينظر أحدنا أين يضع قدمه، وليرتقِ إلى مستوى التحدّي والاستخلاف.