بعد 40 يوما من إغلاقه من سلطة الاحتلال، عاد المصلون فجر الخميس التاسع من أبريل/نيسان 2026 للصلاة في المسجد الأقصى المبارك، في إغلاق هو الأطول منذ 839 عاما، وامتد هذا الإغلاق 20 يوما من رمضان، من بينها ليلة القدر، والعشر الأواخر، وشمل كذلك خمس جُمع متتالية، وتذرع الكيان الصهيوني بظروف الحرب لإغلاق المسجد.
وشهد هذا الإغلاق غير المسبوق، إدانة من الأوقاف الأردنية التي تدير أوقاف القدس منذ زمن الوحدة بين الضفتين؛ الأردن، وفلسطين، وكذلك إدانة جامعة الدول العربية التي اعتبرت الإغلاق انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وتقويضا لحرية العبادة، واستفزازا لمشاعر المسلمين. وطالبت الجامعة بفتح أبوابه فورا، ووقف الانتهاكات، وتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم.
في ظل التصعيد الأخير وإغلاق المسجد الأقصى، تتعاظم أهمية الوصاية الهاشمية بوصفها مرجعية شرعية وقانونية تحمي الوضع التاريخي القائم، ويثور السؤال مجددا: كيف انتقلت إدارة أوقاف القدس والوصاية على المقدسات إلى الأردن؟
موقف نبيل
وهنا نعود إلى شهادة الباحث في مؤسسة القدس الدولية زياد أبحيص الذي يقول فيها إنه: "بعد حرب عام 1967 حين أعلنت السلطات الصهيونية ضم مدينة القدس، وتعمدت وضع أوقاف المدينة بما فيها المسجد الأقصى المبارك تحت إدارة وزارة الأديان الإسرائيلية، بدأت تلك الوزارة بمطالبة مدير أوقاف القدس في حينها حسن طهبوب بأن يسمح لطواقم وزارة الأديان بالاطلاع على أرشيف ووثائق مديرية أوقاف القدس، وبأن تعين لجنة تشرف على محتوى خطبة الجمعة في المسجد الأقصى.
رفض كل من مدير الأوقاف، وقاضي القضاة الشيخ عبد الحميد السائح، ومفتي القدس الشيخ سعيد صبري، هذه الإجراءات وشكلوا "الهيئة الإسلامية العليا"، وأجبروا الاحتلال على التراجع عن قراره.
وبحلول عام 1970 تشكلت الهيئة بعضوية أوقاف القدس، والأوقاف الأردنية، وأعادت الحكومة الأردنية الاتصال المالي والإداري مع أوقاف القدس؛ لإدارة المسجد الأقصى المبارك، وسائر الأوقاف والمحاكم الشرعية".
تمثل هذه الشهادة التاريخية الثمينة للباحث وصفا للحظة فارقة في حياة مدينة القدس وأوقافها ارتبط فيها الأردن بالإشراف على الأوقاف في القدس، مكتسبا شرعية شعبية وقانونية سيلحقها اعتراف دولي بعد سنوات.
وقد سبق هذا الاعتراف، الإعمار الذي نفذه المجلس الإسلامي الأعلى بين عامي 1925-1927 بتمويل من الشريف حسين في عهد إمارة شرق الأردن، وهي الخطوة التي عكست التزاما وارتباطا أردنيا مبكرا مع أولى القبلتين وثالث الحرمين منذ البواكير الأولى لنشأة الأردن.
مما سبق يتبين أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس شكلت- وما زالت- ركيزة أساسية في حماية هوية المدينة المقدسة، وهي منظومة متكاملة من الشرعية الدينية والقانونية والدور العملي المستمر.
لقد تجسد الدور الأردني عمليا من خلال إدارة الأوقاف الإسلامية في القدس، حيث ظلت هذه الإدارة، رغم الاحتلال، تمارس دورها كقوة أمر واقع تحافظ على المسجد الأقصى ومرافقه والأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية، وهو ما يؤكد أن الوصاية لم تكن يوما رمزية، بل ممارسة فعلية ومتواصلة على الأرض.
هذا الحضور المؤسسي هو الذي حال دون فراغ إداري كان من الممكن أن تستغله سلطات الاحتلال لفرض واقع جديد يغير من هوية المكان ووظيفته.
القدس والمسجد الأقصى والشرعية الدينية
تحوز القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية شرعية دينية ومكانة أثيرة في عقيدة ووجدان الشعوب العربية والإسلامية تتفوق على البعد الجغرافي، وحدود ومنطق الدولة.
فالقدس اسمها مشتق من اسم الله القدوس، وهي مهبط الأنبياء، وأرض المحشر والمنشر، وأهم معالمها المسجد الأقصى المبارك، مسرى سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- إلى السماوات العلا، ووصيته لصحابته: "ائتوه فصلوا فيه فإن لم تستطيعوا له محملا، فابعثوا بزيت يسرج في قناديله".
وقد أولى الخلفاء الراشدون القدس ذات الاهتمام، فقد أرسل أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد أن يهب لنجدة إخوته في الشام: "فوالله لقرية من أرض المقدس يفتحها الله عليك خير من رُستاق عظيم من رساتيق العراق".
وما خرج عمر لبلد أو مدينة ولا شد الرحال إلا للقدس والمسجد الأقصى إجلالا لقدرهما، ومن بعد الراشدين حرصت عهود الخلافة الإسلامية حتى آخرها على رعاية وتحرير وعمارة وحماية المسجد الأقصى والمقدسات.
هذه الشذرات عن مكانة القدس والمسجد الأقصى، والشواهد أكثر من أن تحصى، وضعتهما في مركزية اهتمام المسلمين وجعلتهما مسؤوليتهم جميعا، وتزيد هذه المسؤولية مع القرب الجغرافي ليأتي الأردن فيكون الأقرب في الكنف المبارك الذي أشارت إليه سورة الإسراء: "باركنا حوله"، وحديث الرسول عن الطائفة المنصورة في بيت المقدس وأكنافه، وبذا كان من الطبيعي، بل والمرحب به، من أهل المدينة أن يكون الأردن هو الحضن الحامي إذا أصابت القدس النوائب.
من الشرعية الدينية إلى الاعتراف الدولي
يملك الأردن أوراق قوة ترسخ سلطته ووصايته على المقدسات في القدس، وهي لا تقتصر على البعد الديني وحده، بل تدعمها قرارات دولية، وذلك ما جعل الأوقاف الأردنية تلتزم موقفا صارما بعدم الاعتراف بسلطة الكيان الصهيوني على المسجد الأقصى والمقدسات.
ذلك الثبات في المواقف عززه القانون الدولي عام 1968، بقرار مجلس الأمن رقم (252) الذي قضى ببطلان أي إجراءات إسرائيلية تغير المكانة القانونية للقدس، وصدر تعزيز آخر لهذا القرار من المجلس عام 1969 رقم (271)، وذلك عقب إحراق المسجد الأقصى والذي طلب مباشرة من الصهاينة أن "يمتنعوا عن إعاقة إطلاق الوظائف الثابتة للمجلس الإسلامي الأعلى في القدس، بما يشمل أي تعاون قد يطلبه المجلس من دول ذات غالبية سكانية مسلمة، أو من مجتمعات مسلمة فيما يختص بخططه لترميم وصيانة الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس"، والحكومة الأردنية هي التي حلت محل المجلس الأعلى بعد حله عام 1951، وبالتالي تعززت سلطة الأردن في القدس باعتراف دولي.
وساهم الأردن مع المجموعة العربية باستصدار قرار مهم من اليونسكو عام 2016 اعتبر المسجد الأقصى بما فيه حائط البراق إرثا خالصا للمسلمين لا علاقة لليهود به، واستنكر اعتداءات واقتحامات المستوطنين، وأكد أن الأردن هو السلطة الوحيدة المشرفة على المسجد الأقصى.
واستمرت وتكررت المحاولات الصهيونية لنزع السيادة الأردنية على الأوقاف، وطُرح ذلك رسميا على جدول أعمال الكنيست أكثر من مرة أولاها عام 2014 من قبل نائب رئيس الكنيست الحاخام موشيه فيغلن وقتها، فيما يعرف ببند "سحب السيادة الأردنية على المسجد الأقصى"؛ لأن المتطرفين الصهاينة يعتبرون أن الإجراءات التي أفضت بسحب إدارة المسجد من وزارة الأديان وذهابها إلى الأوقاف الأردنية كانت بمثابة "خطيئة" لا بد من تصحيحها.
وما زالت معركة الوجود أو الإقصاء التي يشهدها المسجد الأقصى سجالا، آخرها الإغلاق الأخير الذي ظل أربعين يوما، بحجج واهية هي في حقيقتها استعراض قوة للصهاينة، وضرب عرض الحائط بكل المعاهدات والمواثيق الدولية، وتمهيد للاستفراد بالمسجد الأقصى، وتطبيق مخططات التهويد.
الوصاية الهاشمية على القدس: حق تاريخي لا ينتزع
وهذا الإغلاق الأخير لا يقرأ فقط كإجراء أمني، بل كمحاولة لإعادة تعريف السيادة على الحرم القدسي، وهنا تبرز الوصاية كأداة مواجهة تمنع هذا التحول، وتوفر غطاء سياسيا ودبلوماسيا يمكن البناء عليه في المحافل الدولية.
ورغم هذا الدور المحوري، تواجه الوصاية الهاشمية تحديات متزايدة تهدف إلى تقليص نفوذها ومحاولة شطبها تدريجيا، من خلال استهداف صلاحيات الأوقاف الأردنية، ومحاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى، أو طرح صيغ بديلة للإدارة قد تفرغ الوصاية من مضمونها الحقيقي.
إن التمسك بالوصاية الهاشمية في هذا السياق ليس موقفا سياسيا فحسب، بل ضرورة لحماية المقدسات وعلى رأسها المسجد الأقصى، والحفاظ على وحدة المرجعية الدينية والإدارية في القدس للأوقاف الأردنية.
كما أن هذه الوصاية تستند إلى اعترافات واتفاقيات دولية، ما يمنحها بعدا قانونيا يمكن استثماره في مواجهة أي محاولات لتغيير الوضع القائم، إضافة إلى أن الأردن يمتلك بنية مؤسسية قائمة بالفعل تمكنه من الاستمرار في هذا الدور بكفاءة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من حالة الدفاع عن الوصاية إلى المزيد من تفعيلها، وتعزيز حضورها على مختلف المستويات، تحديدا بعد إغلاق المسجد الأقصى.
فداخليا، يجب دعم الأوقاف الأردنية، وتعزيز صمود المقدسيين، وعربيا وإسلاميا، لا بد من إعادة الاعتبار للدعم السياسي والمالي لهذه الوصاية بوصفها قضية جامعة.
أما دوليا، فإن تفعيل الوصاية يتطلب تحركا دبلوماسيا نشطا لتثبيتها في قرارات الأمم المتحدة، وربطها بحماية التراث الإنساني، ورفع الاعتداءات الصهيونية لمجلس الأمن والجمعية العمومية، وتحريك المسارات القانونية التي تفضح الانتهاكات التي تستهدف القدس.
إن الوصاية الهاشمية ليست تفويضا سياسيا قابلا للتفاوض أو المساومة، بل مسؤولية شرعية متجذرة، وحقيقة قائمة على الأرض لا يمكن شطبها بقرار أو تجاوزها بواقع مفروض.
وفي لحظة يغلق فيها المسجد الأقصى وتختبر فيها الثوابت، تصبح هذه الوصاية عنوانا للحق الذي لا يسقط، وللهوية التي لا تمحى، وللمسؤولية التي لا يجوز التراجع عنها.
إن الدفاع عنها هو دفاع عن القدس نفسها، وعن قدسية المكان، وعن حق الأمة في أولى قبلتيها، وهو التزام يجب أن يصان ويفعّل حتى يبقى الأقصى عربيا إسلاميا ينتظر اجتماع العرب على أرضه في صلاة فتح قريبة ينتظرها كل مؤمن بالعقيدة والعدالة والحق.