من هتلر إلى ترامب: حين يبدو الخطر منقذاً

نشر 06 ابريل 2026 | 23:20

في كل مرة يظهر فيها قائد مثير للجدل، يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن لعدد كبير من الناس أن ينجرف خلف شخص يبدو، من الخارج، أنه قد يقودهم إلى نتائج خطرة؟

لكن الإشكالية هنا أن هذا "الخطر" لا يُرى بالطريقة نفسها من داخل التجربة: ما يبدو اندفاعاً أو تهوراً للآخرين، قد يُفهم داخلياً كحزم، أو شجاعة، أو كسر للقيود.

حين صعد أدولف هتلر في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، كان يُقدَّم كمن يعيد الكرامة لبلد مُنهك، لا كخطر داهم...

لم تكن خطبه تُستقبل كدعوات للتصعيد، بل كوعود بالخلاص من الفوضى والانهيار...

وبصورة مختلفة، رأى كثيرون في دونالد ترامب شخصية صادمة في أسلوبها، لكنهم اعتبروها ضرورية "لهزّ" نظام سياسي يرونه متصلباً أو منفصلاً عنهم.

في الحالتين، لم يكن القائد خطيراً في نظر مؤيديه، بل كان ردّاً على خطر أكبر يشعرون به.

السبب الأول لهذا الانجذاب هو أن الإنسان، في لحظات القلق، لا يبحث عن التوازن بقدر ما يبحث عن الحسم...

في ألمانيا الثلاثينيات، بدا الخطاب الحادّ لهتلر، حتى عندما كان إقصائياً، وكأنه تعبير عن قوة مفقودة.

في الولايات المتحدة، فُسّرت لهجة ترامب المباشرة، وأحياناً الصدامية، على أنها صدق وشجاعة في قول ما "لا يجرؤ الآخرون على قوله".

في الحالتين، تحوّل ما قد يُعد تهوراً في نظر البعض إلى دليل قيادة في نظر المؤيدين.

ثم يأتي دور تبسيط الواقع...

لم يقدّم هتلر تحليلاً معقداً لأزمة ألمانيا، بل اختزلها في فكرة أن هناك قوى محددة تقف خلف المعاناة، ما خلق عدواً واضحاً يمكن توجيه الغضب نحوه.

وبالمثل، قدّم ترامب سردية تُرجع مشاكل الداخل الأمريكي إلى “النخب” أو “المهاجرين” أو “الإعلام”، واضعاً إطاراً بسيطاً لفهم واقع معقد.

في الحالتين، هذا التبسيط لم يكن دقيقاً، لكنه كان فعالاً، لأنه منح الناس شعوراً بأن الأمور مفهومة ويمكن السيطرة عليها.

ومع التكرار، تبدأ هذه السرديات في التحول إلى ما يشبه الحقائق...

في ألمانيا النازية، لم يكن انتشار الدعاية مجرد دعم للخطاب، بل كان إعادة تشكيل للواقع في أذهان الناس.

وفي العصر الحديث، تلعب وسائل الإعلام والانقسام الرقمي دوراً مشابهاً، حيث تتكرر نفس الرسائل داخل دوائر مغلقة، حتى تصبح بديهية لمن يعيش داخلها.

هنا، لا يُختبر الخطاب بميزان الحقيقة، بل بمدى انسجامه مع الجماعة التي ينتمي إليها الفرد.

عند هذه المرحلة، تتحول السياسة إلى هوية...

في ألمانيا، لم يعد دعم هتلر مجرد خيار سياسي، بل أصبح تعبيراً عن الانتماء الوطني كما صُوّر آنذاك. وفي الولايات المتحدة، تحوّل دعم ترامب لدى كثيرين إلى جزء من الهوية الثقافية والسياسية، بحيث يُفهم نقده أحياناً كاستهداف مباشر لهذه الهوية.

هنا يصبح التراجع أصعب، ليس لأن القناعات لم تتغير، بل لأن الاعتراف بذلك يحمل كلفة نفسية واجتماعية عالية.

وفي عمق كل ذلك، يعمل الخوف كقوة دافعة مستمرة...

الخوف من الانهيار الاقتصادي في ألمانيا، والخوف من فقدان المكانة أو تغيّر هوية المجتمع في الحالة الأمريكية، شكّلا أرضية خصبة لتقبّل خطاب حادّ ومباشر...

القائد في هذه الحالة لا يخلق الخوف، بل يمنحه لغة واتجاهاً، فيتحول من شعور مبهم إلى موقف سياسي واضح.

ولا يمكن إغفال البعد الشخصي في هذه الظاهرة، حيث تلعب سمات القائد نفسه دوراً محورياً في ترسيخ هذا الانجذاب، فالشخصيات ذات النزعة النرجسية، المتمركزة حول الذات، لا تكتفي بقيادة المشهد بل تسعى لاحتكاره بالكامل: حضور دائم، تصريحات مستمرة، وتدخّل في تفاصيل تتجاوز أحياناً حدود الدور السياسي التقليدي.

في حالة هتلر، تجلّى ذلك في بناء صورة شبه مقدّسة للقائد الذي لا يُخطئ، وفي تقديم الولاء له كقيمة عليا تتقدّم على الكفاءة والمؤسسات.

وبصورة شبيهة، يظهر هذا النمط لدى ترامب من خلال التركيز على الحضور الشخصي، والولاء الفردي، والتقليل من شأن الخبرة التقليدية لصالح القرب من القائد.

في الحالتين، لا يعود النجاح مرتبطاً بالكفاءة بقدر ما يرتبط بدرجة الانتماء، ويتحوّل القائد من مسؤول سياسي إلى محور تدور حوله المنظومة بأكملها.

وفي بعض السياقات، يُضاف إلى ذلك توظيف رمزي للدين أو القيم العليا، ليس بالضرورة كإطار عقائدي متماسك، بل كأداة لتعزيز الشرعية وإضفاء بُعد أخلاقي على هذا التمركز حول الذات، مما يزيد من صعوبة نقده أو معارضته.

ومع ذلك، فإن اختزال الظاهرة في فكرة أن الجماهير "مخدوعة" فقط لا يكفي...

في كلتا الحالتين، كان هناك من دعم بدافع القناعة، وآخرون بدافع المصلحة، وبعضهم لأنه رأى في القائد الخيار الأقل سوءاً، وآخرون فقط رفضاً للبديل.

هذا التداخل في الدوافع هو ما يمنح هذه الظواهر قوتها، لأنه يجعلها أوسع من أن تُفسَّر بسبب واحد.

في النهاية، لا تنجرف المجتمعات خلف الخطر لأنها لا تراه، بل لأنها تعيد تعريفه.

يصبح الخطر، في سياق معين، دليلاً على القوة، أو وسيلة ضرورية للتغيير، أو حتى خياراً أقل كلفة من واقع يُنظر إليه على أنه أكثر تهديداً.

وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: ليس في وجود القائد بحد ذاته، بل في اللحظة التي يصبح فيها اتباعه - بكل ما يحمله من مخاطر - يبدو خياراً منطقياً، بل وربما لا مفر منه.