لم يعد ما يعيشه قطاع غزة مجرد تراجع اقتصادي يمكن احتواؤه بسياسات إسعافية أو مساعدات مؤقتة، بل أصبح انهيارا شاملا يخرج الاقتصاد من وظيفته الأساسية، المتمثلة في الإنتاج والتشغيل وتوليد الحياة.
فحين ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 83% خلال عام واحد، ثم يواصل الهبوط في العام التالي، فإننا لا نكون أمام أزمة دورية أو ركود عابر، بل أمام سقوط بنيوي كامل في القاعدة الاقتصادية والاجتماعية.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في ضخامة الأرقام، بل في معناها الحقيقي على الأرض، هذا الانكماش يعني أن المصانع توقفت والورش أغلقت والأراضي الزراعية خرجت من دورة الإنتاج والأسواق فقدت قدرتها على الحركة، بينما تحولت الغالبية الساحقة من السكان من منتجين ومستهلكين إلى متلقين للمساعدات.
وبهذا المعنى، فإن غزة لا تعيش أزمة فقر فقط بل انتقالا قسريا من اقتصاد حقيقي إلى اقتصاد بقاء هش تحكمه الإغاثة والندرة والعجز.
والأشد قسوة أن هذا الانهيار لا يقتصر على الحاضر بل يلتهم المستقبل أيضا، فحين تتحدث التقديرات عن محو عقود من التنمية البشرية، فإن المسألة لا تتعلق بالأموال أو المباني فقط بل بتدمير التعليم واستنزاف الصحة وتفكيك المؤسسات وفقدان رأس المال البشري.
أي أن الخسارة الحقيقية ليست فقط فيما دُمّر بل فيما بات يصعب بناؤه مجددا خلال سنوات طويلة.
وبديهيا، لا يمكن لأي مجتمع أن يتعافى في ظل حصار يقيد حركة الأفراد والبضائع ويمنع المواد الخام والطاقة والسيولة والقدرة على الاستثمار.
لذلك، فإن الحديث عن إعادة الإعمار دون تغيير جذري في البيئة الاقتصادية والسياسية يبقى أقرب إلى الوهم منه إلى الخطة الواقعية، فلا إعمار بلا معابر مفتوحة ولا تعافٍ بلا نظام مالي فعال ولا نمو في ظل اقتصاد محاصر من كل اتجاه.
إن أخطر ما حدث في غزة ليس فقط انهيار الناتج المحلي أو ارتفاع البطالة إلى أكثر من 80% وتعدي نسبة الفقر لحاجز الـ 90%، بل تحول الانهيار إلى بنية قائمة بذاتها.
ولهذا، تبدو الحقيقة واضحة بأن غزة لا تحتاج إلى إنعاش مؤقت بل إلى استعادة شروط الحياة الاقتصادية من الأساس وإلا فإن إعادة إنتاج الواقع الحالي لن تعني سوى إعادة إنتاج الكارثة نفسها.