عندما طُرحت الخطة الأخيرة لنزع السلاح في غزة - موقع الجزيرة بتاريخ اليوم، بدا وكأنها محاولة جديدة لكسر حلقة مفرغة طال أمدها: وقف القتال، إعادة الإعمار، ثم إعادة تشكيل النظام السياسي على قاعدة “سلطة واحدة وسلاح واحد”.
في ظاهرها، تبدو الخطة متماسكة؛ فهي لا تتحدث عن استسلام فوري، بل عن مسار تدريجي، متبادل، يرتبط بالحوافز الاقتصادية والسياسية.
لكن هذا التصور، رغم جاذبيته النظرية، يصطدم بسؤال أعمق بكثير من تفاصيل التنفيذ:
هل يمكن أصلاً لحركة مثل حماس أن تقبل بفكرة نزع السلاح في هذا السياق؟
الإجابة، عند التمعّن، لا تتعلق بالتكتيك بقدر ما تتعلق بالبنية. فالمسألة ليست “هل تريد الحركة أن تتخلى عن سلاحها؟”، بل “هل تستطيع أن تفعل ذلك دون أن تتخلى عن نفسها؟”
السلاح ليس خياراً… بل شرط وجود
في التجارب التاريخية، لا تتخلى الحركات المسلحة عن سلاحها بسهولة. بل إن هذا التحول لا يحدث إلا في لحظتين واضحتين:
إما هزيمة عسكرية كاملة تفقدها القدرة على الاستمرار
أو تسوية سياسية شاملة تمنحها ما تعتبره تحقيقاً لأهدافها الأساسية
خارج هذين المسارين، يصبح نزع السلاح أشبه بطلب التخلي عن مصدر القوة الوحيد دون مقابل حقيقي.
في الحالة الراهنة، لا يبدو أن أيّاً من الشرطين متحقق.
حماس، رغم الضربات والخسائر، لم تصل إلى مرحلة الانهيار الكامل. وفي الوقت ذاته، لا توجد تسوية سياسية تلوح في الأفق يمكن أن تُقنعها بأن ما ستكسبه سيعادل ما ستخسره.
وهنا تحديداً يظهر الخلل الأول في الخطة:
هي تفترض استعداداً نفسياً وسياسياً غير موجود أصلاً.
حين لا يكون السلاح أداة… بل هوية
المشكلة الأعمق أن السلاح في هذه الحالة لا يمكن التعامل معه كملف منفصل، فهو ليس مجرد وسيلة قتال يمكن وضعها على طاولة التفاوض، بل جزء من بنية كاملة، تتداخل فيها السياسة بالعقيدة بالتنظيم.
السلاح هنا يؤدي وظائف متعددة في آن واحد:
- هو أداة توازن في مواجهة تفوق عسكري واضح
- وهو ورقة تفاوض لا يمكن التفريط بها دون مقابل نوعي
- وهو أيضاً مرتكز شرعي في نظر جمهور يرى في “المقاومة” أساس الهوية السياسية
بمعنى آخر، نزع السلاح لا يعني فقط تغيير وظيفة عسكرية، بل يعني عملياً:
إعادة تعريف الحركة نفسها، ودورها، ومصدر شرعيتها.
وهذا تحول لا يمكن فرضه بقرار، ولا حتى بحافز اقتصادي، لأنه يمس جوهر التكوين.
معضلة الثقة: لماذا يبدو السلاح كضمانة أخيرة؟
حتى لو افترضنا - جدلاً - وجود استعداد مبدئي للنقاش، فإن الواقع يفرض معضلة أخرى لا تقل أهمية: غياب الثقة.
في بيئة لم تُحسم فيها القضايا الكبرى، يصبح السؤال بسيطاً ومباشراً:
ما الذي يضمن أن نزع السلاح لن يتبعه استئناف للضغط أو العمليات العسكرية؟
في ظل غياب:
- ضمانات دولية ملزمة
- اتفاق سياسي نهائي
- بيئة مستقرة يمكن الاعتماد عليها
يتحول السلاح إلى ما يشبه “بوليصة تأمين”. ليس لأنه الخيار الأفضل، بل لأنه الخيار الوحيد المتاح في ظل عدم اليقين.
وهنا تظهر مفارقة لافتة:
الخطة تحاول أن تجعل السلاح عبئاً، بينما الواقع يجعله ضرورة.
الفجوة بين منطق الدولة ومنطق الحركة
تنطلق الخطة من مبدأ يبدو بديهياً في سياق الدول: “سلطة واحدة وسلاح واحد”.
لكن الإشكالية أنها تطبّق هذا المبدأ على واقع لم تتشكل فيه الدولة أصلاً.
حماس ليست مجرد حزب داخل نظام مستقر يمكن إعادة دمجه بسهولة، بل هي فاعل نشأ في بيئة غياب الدولة، وفي ظل صراع مفتوح، لذلك، فإن مطالبتها بالتصرف كدولة (التخلي عن السلاح) دون وجود دولة فعلية توفر الحماية والسيادة، تخلق تناقضاً جوهرياً.
يمكن تلخيص هذا التناقض في معادلة بسيطة:
الخطة تفترض وجود دولة لتبرير نزع السلاح
الواقع يفتقد الدولة فيجعل السلاح بديلاً عنها
وهذا ما يجعل الطرح، رغم منطقه النظري، بعيداً عن قابلية التطبيق.
فشل محتمل من حيث المبدأ، لا من حيث التنفيذ
من السهل تفسير فشل أي خطة سياسية على أنه نتيجة سوء تنفيذ أو تعثر تقني، لكن في هذه الحالة، يبدو أن المشكلة أعمق بكثير.
فالخطة لا تفشل لأنها معقدة،
بل لأنها تنطلق من افتراض غير واقعي:
أن السلاح يمكن فصله عن السياسة، في سياق لم تتوفر فيه شروط هذا الفصل.
وبالتالي، فإن رفضها - إن حدث - لن يكون مجرد موقف تفاوضي، بل تعبيراً عن استحالة بنيوية.
السؤال الذي لم يُطرح بعد
ربما يكون الخطأ الأكبر في النقاش الدائر هو التركيز على سؤال:
هل يمكن نزع سلاح حماس؟
بينما السؤال الأجدر بالطرح هو:
ما الذي يمكن أن يجعل هذا الخيار قابلاً للتفكير أصلاً؟
في غياب هزيمة حاسمة،
وفي غياب تسوية سياسية شاملة،
وفي ظل انعدام الثقة والضمانات،
لا يبدو أن نزع السلاح خيار مطروحاً، بل فكرة مفترضة أكثر مما هي إمكانية واقعية.
وهنا تحديداً تكمن حدود الخطة:
ليس في تفاصيلها، بل في افتراضها الأساسي.