قراءة في المسارات المحتملة للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران

نشر 27 مارس 2026 | 21:44

تَتَّسمُ مسارات العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران ومآلات الحرب بحالة عالية من الغموض و"اللا يقين"ـ وما زالت الخلاصة الكلية للمعطيات تميل أكثر إلى عدم توقع نهاية سريعة للحرب، وإلى الدخول في حالة استنزاف. غير أن الهدف الأمريكي الحقيقي من الحرب، والمزاج السياسي للرئيس ترامب يلعبان دورا مهما في تقصير أو إطالة أمد الحرب؛ كما يلعب تماسك نظام الحكم في إيران وقدرته على التحمُّل، وقدرته على مواصلة الحرب بكفاءة وفاعلية وقوةِ تأثير، دورا مهما في تحديد اتجاهات الحرب.

عوامل تدفع باتجاه إطالة الحرب:

1- قدرة الإسرائيليين والأمريكان على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب، وعلى رأسها ضرب البرنامج النووي الإيراني، وفرض معاييرهما؛ وإضعاف النفوذ الإيراني الإقليمي ودورها في دعم خط المقاومة. وفي المقابل، سترفض إيران وقف الحرب ما لم تردع أعداءها، وتحافظ على نظامها السياسي، وتحصل على ضمانات بعدم الاعتداء عليها مرة أخرى. وهو ما يعني إطالة أمد الحرب بسبب الفجوة الكبيرة بين الطرفين.

2- إن "تحقيق الردع" هو معيار أساسي لدى الأطراف المتحاربة، وأي تراجع أو فشل في ذلك سيُفسر ضعفا وفشلا.. وهو ما قد يعني الاستمرار في الحرب للحفاظ على "الصورة"، ما لم توجد مخارج كريمة أو تحفظ ماء لهذه الأطراف.

3- الأوضاع الداخلية في دولة الاحتلال والولايات المتحدة وإيران، واستغلال الحرب لتعزيز "الشرعية" والهروب من الأزمات الداخلية؛ قد يَصبُّ في إطالة الحرب، إلا إذا تصاعدت الضغوط الشعبية باتجاه وقف الحرب، عندما ترتفع تكاليفها في مقابل الإنجازات المحتملة.

4- احتمالات توسُّع الحرب إقليميا وعالميا بشكل مباشر أو غير مباشر، بانخراط أطراف متضررة أو مستفيدة من الحرب، ويدخل في ذلك دول الخليج والصين وروسيا والدول الأوروبية؛ سواء لإخضاع إيران، أم لاستنزاف أمريكا والكيان الإسرائيلي، أم لفتح مضيق هرمز وضمان تدفق النفط والغاز والبضائع.. وغيرها؛ بحيث يخرج الأمر عن السيطرة، ويصبح طول الحرب أمرا واقعا.

5- ربط إيران الحرب بالمسار اللبناني وإدخال حزب الله في أي ترتيبات قادمة، بما يضمن عدم نزع أسلحته، وعودة المهجَّرين، والتوقف الإسرائيلي عن استباحة الأرض والأجواء اللبنانية؛ في مقابل الإصرار الإسرائيلي الأمريكي على نزع أسلحة الحزب، ووضع الضمانات والمعايير الأمنية الإسرائيلية أساسا لأي حل مستقبلي مع لبنان؛ وهو ما قد يطيل أمد الحرب قبل الوصول إلى معادلة مقبولة من الأطراف جميعا.

عوامل تدفع باتجاه تقصير أمد الحرب:

1- ارتفاع تكاليف الحرب البشرية والاقتصادية والعسكرية خصوصا لدى الأمريكان والإسرائيليين.

2- استمرار إغلاق مضيق هرمز، وانعكاساته الكبيرة على الاقتصاد العالمي، وخصوصا إمدادات النفط والغاز؛ وفشل الأمريكان وحلفائهم في السيطرة على المضيق.

3- انكشاف القبة الحديدية الإسرائيلية، وتراجع فاعلية الصواريخ الاعتراضية لدى الاحتلال، ومنظومات الدفاع الأمريكية في المنطقة، بما يعطي الإيرانيين مجالا أعلى للضغط وإجبار الأمريكان والإسرائيليين على خفض سقف مطالبهم.

4- الضغوط الدولية لوقف الحرب، خصوصا من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي ودول البريكس.

5- توازن الردع، ووصول الطرفين إلى قناعة بعدم القدرة على تحقيق الحسم وفرض الشروط.

6- إصرار إيران على برنامجها النووي، وتسريع وصولها "للعتبة النووية"، بما يفرض شروطا جديدة للعبة.

7- تراجع الأمريكان فيما يتعلق بالهدف الحقيقي من الحرب، والتراجع عن فكرة إسقاط النظام، والتعامل بواقعية أكثر من الملفين النووي والصاروخي الإيراني؛ وفضّ الشراكة مع الإسرائيليين فيما يتعلق باستمرار الحرب، أو الاستمرار كأداة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية من الحرب.

8- تماسك النظام الإيراني وقدرته على الصمود، ومتابعة تنفيذ ضربات نوعية ضدّ الأمريكان والإسرائيليين؛ وانفتاح إيران على تفاهمات إقليمية خصوصا مع دول الخليج، لضمان أمن المنطقة واستقرارها، والمحافظة على ثرواتها ومصالحها الاستراتيجية.

9- رغبة دول المنطقة، وخصوصا دول الخليج، في وقف الحرب، وفي التفاهم مع الإيرانيين ضمن معادلة إقليمية عربية إسلامية، والطلب من الأمريكان وقف الحرب، ووقف استخدام أرضها ومجالها الجوي في الحرب.

المسارات المحتملة:

لا يبدو إسقاط النظام في إيران أمرا واقعيا ولا احتمالا ممكنا في المدى المنظور، وبغضّ النظر عن وسائل الدعاية الأمريكية والإسرائيلية، و"الكليشيهات" المتكررة عن تحقيق إنجازات كبرى؛ فإن القراءة الواقعية تشير إلى قدرة إيران على ترتيب أوراقها وتماسك نظامها واستمرار فاعليتها العسكرية، كما أن النظام ما يزال يتمتع بقاعدة دعم شعبي واسعة سواء لأسباب عقائدية أيديولوجية مرتبطة بطبيعة النظام، لأسباب متعلقة بالقومية الإيرانية الفارسية التي يستفزها العدوان الخارجي، وتتجاوز تناقضاتها الصغيرة في مواجهة التناقض الأكبر مع العدو الأمريكي الإسرائيلي، والتجربة التاريخية تؤيد ذلك. ثم إن حجم إيران الجغرافي (مليون و648 كيلومترا مربعا، تساوي أكثر من 4,530 ضعف مساحة قطاع غزة) مع صعوبة حصارها، يظهر مؤشرا واضحا على الصعوبة الهائلة في محاولة إخضاع النظام الإيراني.

المحصلة العامة ما زالت تصب أكثر في استمرار حالة الاستنزاف، أو التحول إلى حرب إقليمية باردة، مع استمرار حالة الغليان، والإبقاء على "حافة الانفجار" قائما

ولأن الطرفين الإسرائيلي والأمريكي يرفضان أن يخرجا مهزومين أو بصورة الفشل المكشوف، خصوصا مع عقلية نتنياهو وحكومته ذات الطبيعة القومية والأيديولوجية الدينية المتطرفة؛ فإن أمد الحرب قد يطول ما لم تتوفر مخارج مناسبة.

وستلعب العوامل المشار إليها أعلاه دورها في إطالة أو تقصير أمد الحرب؛ غير أن المحصلة العامة ما زالت تصب أكثر في استمرار حالة الاستنزاف، أو التحول إلى حرب إقليمية باردة، مع استمرار حالة الغليان، والإبقاء على "حافة الانفجار" قائما.

وثمة عوامل قد تُسرع في نهاية الحرب، لكنها قد تتسبَّب في الوقت نفسه بنتائج معاكسة أو في تعقيد المشهد بدرجة أكبر، مثل استخدام الأمريكان والإسرائيليين لوسائل دمار أكبر كالقنابل النووية التكتيكية، أو إعلان إيران الدخول في "النادي النووي".

كما ستلعب الطبيعة المتقلّبة لترامب، وشخصيته النرجسية ورغبته في عقد الصفقات، وأجواء الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، دورها في تحديد الهدف الأمريكي؛ إما في محاولة تسجيل نقاط في "قصقصة" أجنحة إيران، خصوصا في الملفات النووية والصاروخية وفي النفوذ الإقليمي، أو في المضي قدما في محاولة حسم الصراع. غير أن المعطيات المتاحة تشير بشكل أكبر إلى نزوع ترامب إلى أهداف "واقعية" يمكن تحقيقها من خلال التفاوض، بعد الاعتراف عمليا بعدم القدرة على إسقاط النظام. وإذا ما تمكنت إيران من تقديم أداء عسكري قوي في الأسابيع القادمة، فإن ذلك سيصبُّ أكثر في دفع الأمريكان إلى مزيد من الواقعية والبراجماتية في التعامل مع إيران.