كشفت وثيقة، عن اختلال واضح في تفاصيل خطة لنزع السلاح في قطاع غزة، سلّمها المبعوث الأممي السابق نيكولاي ميلادينوف، تقوم على التبعية لـ"إسرائيل"، بدلًا من المسار متعدد المراحل، الذي يربط بشكل مباشر بين الإجراءات الإسرائيلية على الأرض والتزامات حركة "حماس".
وقالت الوثيقة، التي نشرت مضامينها قناة "الجزيرة"، إن القراءة المتأنية لمضامين الخطة تكشف عن اختلال واضح في طبيعة هذا التوازي.
وبينت أنه التزامات جوهرية تُطرح على المقاومة مقابل إجراءات إسرائيلية غير مضمونة أو قابلة للتراجع.
وبحسب الوثيقة، فإن الخطة لا تفصل بين الملف الأمني والإنساني، بل تدمجهما في إطار واحد يقوم على مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة"، إلا أن هذا المبدأ يتحول عملياً إلى أداة ضغط، إذ تُربط حقوق أساسية كالإعمار وتخفيف المعاناة الإنسانية بمدى التقدم في مسار نزع السلاح، ما يضع السكان أمام معادلة قاسية بين احتياجاتهم اليومية وواقعهم الأمني.
وتنطلق الخطة من مبادئ عامة تتضمن إدخال مواد الإعمار إلى مناطق يتم التحقق من خلوها من السلاح، واعتماد صيغة حكم تقوم على "سلطة واحدة وسلاح واحد"، إلى جانب نقل إدارة القطاع إلى لجنة وطنية خلال مرحلة انتقالية.
غير أن هذه المبادئ تثير تساؤلات جدية حول طبيعة الجهة التي ستتولى التحقق الأمني، وحدود الدور الدولي المقترح، وما إذا كان ذلك يمهد لتدخلات أوسع في البنية الداخلية للقطاع، وفق الجزيرة.
مرحلة أولى بلا ضمانات
ويُظهر الجدول الزمني الممتد لعدة أشهر أن المرحلة الأولى تبدأ بوقف العمليات العسكرية وإجراءات إنسانية، في مقابل التزام حماس بوقف أنشطتها العسكرية وتمكين اللجنة الوطنية.
إلا أن هذه المرحلة تبدو تمهيدية أكثر منها متوازنة، إذ لا تتضمن ضمانات واضحة لاستدامة وقف العمليات أو تثبيت التسهيلات.
أما المرحلة الثانية، الممتدة بين اليوم السادس عشر واليوم الستين، فتشكل جوهر الخطة ونقطة التحول الأكثر حساسية، حيث يبدأ التطبيق الفعلي لنزع السلاح.
وتقول الوثيقة "في هذه المرحلة، تنفذ إسرائيل انسحابات محدودة وتسمح بتوسيع دخول المساعدات، بينما تُطالب حماس بخطوات نوعية تشمل حصر الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وتقديم معلومات تفصيلية حول مواقعها، ووقف كامل للأنشطة العسكرية، والانسحاب من المشهد الأمني، ويعكس هذا التباين اختلالاً واضحاً، حيث يُطلب من طرف تقديم تنازلات جوهرية، مقابل إجراءات ميدانية قابلة للتدرج أو التعليق".
وتشير الوثيقة إلى أن التقدم في تنفيذ الخطة يخضع لآليات تحقق دقيقة، غير أن هذه الآليات تبدو أكثر تشدداً في ما يتعلق بالتزامات حماس، في حين تبقى الخطوات الإسرائيلية مرهونة بالتقدير السياسي.
وتؤكد أن هذا ما يفتح المجال أمام تفاوت في التطبيق وعدم توازن في المحاسبة.
ومع الانتقال إلى المراحل اللاحقة، تتوسع الانسحابات الإسرائيلية تدريجياً، مقابل استكمال عملية حصر وتسليم السلاح، وصولاً إلى إنهاء أي وجود عسكري منظم داخل المدن، وفق الوثيقة.
وتضيف "تنتهي الخطة بمرحلة خامسة يتم خلالها استكمال نزع السلاح بالكامل، بالتزامن مع انسحاب شبه كامل للقوات الإسرائيلية، وتثبيت واقع أمني جديد قائم على إدارة مدنية، تحت رقابة دولية مستمرة".
وتعكس المعطيات الواردة في الوثيقة توجهاً واضحاً نحو إعادة تشكيل الواقع الأمني في قطاع غزة، من خلال ربط الإعمار والتسهيلات الإنسانية بمسار أمني صارم، وإدخال آليات رقابة دولية في ملف السلاح، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول هذه الترتيبات إلى أداة ضغط طويلة الأمد، أكثر منها إطاراً متوازناً للحل.
ويرى مراقبون أن الخطة، بصيغتها الحالية، لا تقدم ضمانات كافية لتحقيق توازن فعلي بين الأطراف، بل تضع عبئاً أكبر على طرف واحد.
وفي ذات الوقت، تترك الخطة المجال مفتوحاً أمام تأجيل أو تعديل الالتزامات المقابلة، ما يجعلها أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة الواقع الأمني وفق رؤية أحادية، أكثر من كونها مساراً عادلاً ومتوازنًا للحل.