الصراع والنضال مستمرّان

نشر 12 فبراير 2026 | 20:16

مثلت صرخات (ودعوات) نساء غزّة العائدات إلى القطاع بعد إبعاد دام عامين "بأن لا يترك أحد غزّة ووطنه فلسطين"، وأن "لا كرامة حقيقية للإنسان إلا في وطنه"، عنواناً لفشل نتنياهو، وحكومة الاحتلال العنصرية التي يرأسها، في تحقيق الهدف الرئيس لحرب الإبادة، والتجويع والعقوبات الجماعية التي شنّوها، وهو التطهير العرقي، وهذا، سابقاً ولاحقاً، كان ولا يزال الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تنقذ الحركة الصهيونية من الفشل الحتمي. ولكن، كلما تعاظمت شراسة العدوانية الإسرائيلية وتصاعد حجم جرائمها، ازداد تمسك الشعب الفلسطيني بوطنه، وبرفض الرحيل عنه.

كانت تجربة النكبة عام 1948، أكبر مؤثر في السلوك الجماعي للشعب الفلسطيني، الذي صمدت معظم أجزائه في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزّة، في أثناء 5 حزيران 1967وبعدها، وما زالت صامدة رغم أبشع أنواع الإرهاب والتنكيل الذي يتعرض له. وكما لم يفلح القمع والتنكيل الذي وصل إلى حد ارتكاب الإبادة الجماعية، في إنهاء الصراع، فإن كل الاتفاقيات الجائرة، مثل اتفاق أوسلو، واتفاقيات التطبيع واتفاقيات التسويات الجزئية مع الدول العربية، لم تفلح في إنهائه. والسبب جذري وواضح، أن الصراع الدائر غدا وجودياً بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني. صراع حول أن يكون أو لا يكون، أن يبقى شعباً أو يفنى وينتهي ويذوب في مخيمات دولٍ أخرى، ليعاني تمييزاً أبدياً وانتقاصاً دائما لحقوقه المشروعة.

والسبب يعود، أيضاً، إلى أن الشعب الفلسطيني لم يحصل على الحد الأدنى من حقوقه، حتى عندما اندفعت قيادته الرسمية نحو أوهام اتفاقيات جزئية، لتكتشف ويكتشف شعبها أن الحركة الصهيونية ليست معنيةً بحلولٍ وسط مع الشعب الفلسطيني.

التطهير العرقي لـ 70% من الشعب الفلسطيني عام 1948، لم يُنهِ الصراع، لأن كل لاجئٍ حمل عند رحيله في قلبه وعقله، وطنه، وقريته، أو بلدته أومدينته.

والاحتلال الأطول في التاريخ الحديث، الذي تحوّل إلى منظومة أبارتهايد هي الأسوأ في تاريخ البشرية، لم يستطع كسر إرادة الفلسطيني وتصميمه على تحقيق الحرية، بل زاده تمسكاً بها. وما جرى بعد 7 أكتوبر (2023) من مجازر وحشية في قطاع غزّة أعاد شحن أجيال الشباب الفلسطيني في الداخل والخارج، بمشاعر الانتماء إلى القضية الفلسطينية، والتمسّك بالوطن فلسطين.

أما إرهاب عصابات المستوطنين في الضفة الغربية الذي يذكر الجميع بإرهاب عصابات الهاغاناه وشتيرن وايتسيل، فلم يزد الفلسطينيين إلا إدراكاً أن خلاصهم، وأمنهم، وسلامتهم مشروطة باستمرار صمودهم ونضالهم المشروع من أجل حقوقهم.

الصراع ما زال مستمراً، والنضال الفلسطيني سيبقى متقداً حتى نيل الحرية... ولا بديل للحرية

وما يتعرّض له الفلسطينيون في أراضي الـ 1948 على يد العنصرية الفاشية لم يزدهم إلا إدراكاً لأهمية التمسك بفلسطينيتهم وحقوقهم الوطنية. وذلك كله يفسّر الإصرار الإسرائيلي المدعوم من الإدارة الأميركية على انتزاع حقّ الفلسطينيين في النضال والكفاح من أجل حقوقهم وفي مقاومة الظلم الذي يتعرّضون له.

لم تبقَ وسيلة يستخدمها الاحتلال لتحقيق ذلك الهدف، من وسم النضال الفلسطيني بالإرهاب، إلى تحميل الضحية المسؤولية، إلى اعتقال مئات آلاف، إلى المصادرة الجنونية واللصوصية للأرض، إلى الاستيطان المنفلت من عقاله، الذي تجاوز كل الحدود، إلى تعذيب الأسرى وتجويعهم، إلى تشويه السردية التاريخية للصراع الدائر، واستبدالها بالروايات الكاذبة... ولم ينقذ ذلك كله الاحتلال من الفشل، وبقي الصراع محتدماً، وراية النضال مرتفعة، تتناقلها الأجيال.

تحدّث ترامب عن "خطة السلام" ولم يذكر إنهاء الاحتلال بكلمة، وسبق أن حاول استبدال حق تقرير المصير والاستقلال الوطني بما سميت صفقة القرن، ومنظومة كانتونات ومعازل ليواجه فشلاً حتمياً، ثم ليتخلى هو نفسه عن تلك الصفقة.

وكلما أمعن الاحتلال في تدمير (وتصفية) إمكانية قيام دولة فلسطينية، ولو على جزء صغير من أرض فلسطين، عاد الفلسطينيون إلى شعارهم وهدفهم الأصلي بإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية واحدة على جميع التراب الفلسطيني.

قتل الاحتلال في حرب الإبادة ما لا يقل عن 72 ألف فلسطيني، ومنهم 20 ألف طفل، فأنجبت نساء غزّة، رغم أهوال الحرب، 82 ألف طفل جديد. دمّروا الجامعات والمدارس والمستشفيات، فأنشأ الفلسطينيون، مثل آبائهم من قبل، مدارس وعيادات صحية في الخيام.

أراد المستعمرون المستوطنون إفناء الشعب الفلسطيني عام 1948، فأصبح الشعب الأكثر تعليماً في كل المنطقة كطائر العنقاء نهض وينهض الفلسطينيون بعد كل أزمة، وكل عثرة، وهم يرون رعب أعدائهم من خطر أن يكبوا هم مرّة واحدة، فلا ينهضوا بعدها أبداً.

صرخة نساء غزّة كانت الصوت الذي لم يرد نتنياهو أن يسمعه، بأن الصراع ما زال مستمراً، والنضال الفلسطيني سيبقى متقداً حتى نيل الحرية... ولا بديل للحرية.

مخاوف إسرائيلية من أن تدفع الأوضاع في غزة إلى انضمام المزيد إلى حماس

في الوقت الذي تتصاعد فيه مطالب حكومة اليمين بالاستمرار في العدوان على غزة، تخرج أصوات أخرى تحذر أن بقاء غزة مدمرة، يعني أن تنمو فيها نسخة جديدة من حركة حماس، ولكن أكثر راديكالية، مما يجعل من إعادة الإعمار يصب في مصلحة جميع الأطراف.

جاكي خوجي محرر الشئون العربية في إذاعة جيش الاحتلال، ذكر أن أنماط السلوك الاسرائيلي تجاه غزة تعود من جديد لما كانت سائدة عليه قبل هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فيما تظهر وسائل الإعلام الاسرائيلية اهتماما أقل بالقضية الفلسطينية، تماما كما كان الحال في السنوات التي سبقت الهجوم، وبلغ عماها ذروته عندما نفذ الجناح العسكري لحماس، في 12 أيلول/سبتمبر 2023، المناورة العسكرية المعروفة، حيث قام أعضاؤها بمحاكاة التسلل للمستوطنات واختطاف الجنود".

وأضاف في مقال نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، وترجمته "عربي 21" أنه في ذلك اليوم، انعقدت المحكمة العليا لمناقشة الانقلاب القانوني، وتصدرت عناوين الأخبار الرئيسية أحداث العنف السياسي الداخلي، بينما تم تهميش مناورات حماس في التغطية الإخبارية، وكما هو الحال اليوم، نحن الصحفيون نخبر الجمهور بما يروق له، لا بما يحتاجه، ويتجلى هذا بوضوح في هذه الأيام العصيبة في إيران، فالأنظار شاخصة إليها، ولم يبق شيء لغزة، وربما لو كنا أكثر انخراطا في تلك المناورات لشعر أحدهم بالرعب، واستيقظ".

وأشار أنه بعد أن أعادت حماس جميع الرهائن الأحياء والقتلى، سعيا لأن تعود غزة تدريجيا إلى وضعها الطبيعي، ولذلك جرى افتتاح معبر رفح، وإعادة تشكيل حكومة التكنوقراط، ووصول شاحنات المساعدات المتواصلة، بعد أن قضينا أكثر من عامين، والقيادة السياسية لتل أبيب تعد بنزع سلاح حماس، وإنهاء الحرب بانتصار كامل، وهو ما وعدت به الحكومات الإسرائيلية في السنوات السابقة خلال كل جولة قتال مع حماس، وفي النهاية، كانت تتخلى دائما عن وعودها".

وأوضح أنه "رغم أن حماس تمنى حاليا بضربة ساحقة، لكنها، كالأفعى، تقطع ذيولها من رقابها، بينما لا يزال رأسها حيا، وبصحة جيدة، وقد ينمو لها ذيل من جديد، وبعبارة أخرى، بينما عدنا للوضع الطبيعي، استعادت حماس قوتها، فغزة تتطلب نصرا حاسما ، أو استنزافا تاما، وهكذا انسحبنا قبل إتمام المهمة، ويمكن للمرء أن يفكر في عدة أسباب لعدم انتصارنا في حروبنا مع القطاع، أحدها هو الإرهاق، فطالما أرهقت المعارك جيش إسرائيل ومجتمعه".

وأشار أن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، بل وحتى المجتمع نفسه، وصلوا جميعا لهذه اللحظة منهكين، فيما قطاع غزة قد يزداد تطرفا في الطريق إليها، وقد تحلّ تنظيمات أخرى أكثر تشددا من حماس، في الوقت الذي تُبدي فيه الحكومات الإسرائيلية قلقاً بشأن أي حل سياسي مع الفلسطينيين، بينما يواصل قادة حماس ما كانوا عليه قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر٬ باستخدام الرأي العام الفلسطيني بمهارة للضغط على العالم لقبول المزيد من التنازلات الاسرائيلية، لأن طموحهم هو الحكم عن بعد، كما كان حزب الله في لبنان في أوج قوته".

وأشار أنه إذا سئم ترامب من واقع غزة، وغادر، فستعيد تل أبيب السيطرة الكاملة على القطاع، لكنه سيترك له مشروعا ضخما يفوق قدرته على إدارته، وبالعودة لأنماط الحكم الدائم، تحتاج إسرائيل لإيجاد طريقة لإضعاف حماس، ثم الانخراط في إعادة إعمار القطاع بطريقة لا تشكل خطرا عليه، مع أن الحل العسكري وحده لن يكون فعالا، حيث لن يكتمل النصر على حماس إلا إذا شمل استقرار حياة المدنيين، لأن الفقراء والمهمشون سينخرطون أكثر في صفوف حماس".

وختم بالقول إنه بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر٬ لم تُبلور الحكومات الإسرائيلية رؤيتها لقطاع غزة، بل اكتفت بإلحاق الهزيمة بالعدو، ثم تركته ينمو، ويتوسع، مما يجعل التعامل معه مهمة معقدة ومحبطة، والعمل بجد لتحقيقها، لأنها لا تقتصر على نزع سلاح حماس، أو ترديد هذا الشعار مرارا وتكرارا".

تكشف هذه القراءة الإسرائيلية عن مخاوف من أن تشهد الأسابيع والأشهر القادمة تجنيد المزيد من الفلسطينيين في صفوف حماس، خاصة ممن يتذمرون من الوضع البائس في غزة، ونتيجة الحرب في هذه الحالة واحدة، وهي أن الاحتلال أنجز ثلاثة أرباع العمل، وعاد الهدوء الأمني، ولكن دون تقديم ضمانات كافية بعدم تكرار هجوم الطوفان.