"العربي الجيد هو العربي الميت" هكذا ينظر كثير من الإسرائيليين للعرب مع اختلاف في نسبة وأداة النظر، والمعنى الأعمق لكلمة "ميت" يشير إلى تعدي اللفظ المفهوم المُتعارف عليه، بأنه الموت الجسدي، بل يشير إلى موت الجسد والفكر والفكرة والروح والإرادة، والمبدأ والهدف والوسيلة، وقتل كل ما من شأنه حفظ الثرات وصناعة الحاضر والمستقبل.
والاحتلال منذ بدايته في فلسطين لم يذخر جهداً لتنفيذ تلك النظرية، لم يأبه بالأعراف الدولية، دمر الشجر والحجر والبشر، اقتلع الأشجار التي أغلبها أكبر من عمره، أفسد مظاهر الحياة المختلفة، دون رقيبٍ أو حسيب.
وبالعودة إلى العنوان" تأثر الحياة الثقافية في غزة" واستنتاجاً من وحي الواقع المُعاش حالياً بغزة، فقد دمر الاحتلال المكتبات الثقافية العامة والتجارية رغم أنها لا تحتوي على صواريخ أو حاملات طائرات ولا يوجد تحتها شبكة أنفاق كما يزعم، بل قصفها؛ لأنه يخشى من دورها في صناعة جيلٍ واعٍ ومثقف يقود المعركة معه عن قناعةٍ بالحقِ الذي لا يضيع طالما أنه مكتوب في الصحف والكتب والصدور، وهذا نابع من حقده على أي شيء يمكنه أن يرفع من شأن وعقل المواطن الفلسطيني.
ومن ضمن المكتبات التي تم تدميرها هي المكتبات الموجودة في المدارس والجامعات والمساجد والمؤسسات الثقافية، ومكتبة الجامع العمري الكبير التي تحوي مئات المخطوطات والصحائف منها منذ القرن الرابع عشر، وأرشيف بلدية غزة، ومكتبة دائرة العمل والتخطيط، مركز التخطيط التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومكتبة دائرة المخطوطات التابعة لوزارة الأوقاف والتي تحوي مخطوطات نادرة جداً، ومركز رشاد الشوا الثقافي، وقاعة سباط العلمي، وقرية الفنون والحرف ومكتبة سمير منصور، وكثير غيرها من الأماكن الاثرية الثقافية المسيحية مثل دير القديس هيلاريون، وكنيسة القديس بريفريوس.
ولا يجب نسيان المكتبات الشخصية التي أنشأها الكُتّاب ومحبو القراءة في بيوتهم كتاباً بكتاب على مدار سنوات، ومن أبرز المكتبات في رفح والتي كنتُ أترددُ على بعضها وتربطني بأصحابها علاقة قوية هي مكتبة الدكتور عبد اللطيف أبو هاشم التي تحوي ما يقارب 20 ألف كتاب، والأستاذ حسني العطار التي تحوي ما يزيد عن 5آلاف كتاب، ومكتبة الدكتور أحمد يوسف، ومكتبة كاتب هذا المقال التي تحوي ما يزيد عن 1000 كتاب.
ولأن الثقافة يلزمها رجال لنقلها وحملها للأجيال القادمة، وهذا يشكل خطرا على الاحتلال كان لابد من قتلهم، فقد اغتال الاحتلال الكثير من الكتاب والمثقفين وأساتذة الجامعات وأصحاب الرأي المؤيدين لنهج المقاومة، وهذا نهج قديم للاحتلال فمنذ النكبة مروراً بكل مراحل الثورة الفلسطينية اغتال الاحتلال غسان كنفاني وناجي العلي وماجد أبو شرار وغيرهم ، وفي العدوان الإسرائيلي على غزة2023 اغتال الاحتلال ما يزيد عن 118 كاتباً ومثقفاً وشاعراً وأديباً منهم على سبيل المثال، مصطفى الصواف، هبة أبو ندى ، رفعت العرعير، أيمن الرفاتي، عمر أبو شاويش، سليم النفار، نور الدين حجاج.
إن الأثر الذي لحق بقطاع الثقافة في غزة منذ أكتوبر2023 سيكون عامل دفع لها للتصميم على إيصال رسالة الحاضر إلى الأجيال القادمة بأن الحرف كان يقاوم جنباً إلى جنب مع البندقية، وعليهما (الحرف والبندقية) ألا ينحرفا مها كانت الضغوطات؛ لأن انحرافهما يعني فقدان الذات والهوية.