بين جيل "العدس".. وجيل "المنّ والسلوى": لماذا لا ننتصر بـ "الكروش" الممتلئة؟

نشر 06 فبراير 2026 | 15:19

حين وقف موسى عليه السلام أمام البحر، ومعه 600 ألف من بني إسرائيل، ظن الجميع أن هذا العدد الهائل هو "جيش التحرير" القادم. لكن الله، العليم بخبايا النفوس، كان يعلم أن هؤلاء الـ 600 ألف ليسوا إلا "أرقاماً".
أرقامٌ لوّثتها العبودية، وأثقلتها شهوة "الفوم والعدس والبصل"، وأفسدت فطرتها حياة "الدعة" تحت سوط الجلاد.
حين قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، لم يقلبوا الطاولة، بل قالوا بلسان المترهلين: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾

هنا، صدر الحكم الإلهي الذي يبدو في ظاهره "عقوبة"، وفي باطنه "رحمة بالأمة": ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.
لماذا 40 سنة تحديداً؟
يقول ابن خلدون بعبقرية المؤرخ: "لأن الأربعين سنة هي عمر جيل كامل".
الله أراد لهذا الجيل "الرخو" أن يفنى في الصحراء. أن يموت كل من تذوق طعم "العدس" وهو ذليل، وكل من اعتاد النوم تحت سقف "فرعون" وهو خائف.

صناعةُ "جيلِ الصحراء":
في تلك الصحراء القاسية، وُلد جيلٌ جديد.
جيلٌ لم يرَ سقفاً إلا السماء، ولم يعرف طعاماً إلا "المنّ والسلوى" (رزق الكفاف المبارك)، ولم يعتد على نعومة الفراش.
جيلٌ رضعت عروقه "خشونة الرمل" و"حرية الفضاء".
هذا الجيل، جيل "يوشع بن نون"، هو الذي وقف لاحقاً أمام أسوار أريحا، وحين توقفت الشمس، لم يقل "تعبنا"، بل قال: "إنك مأمورة وأنا مأمور".
النصر لا يتنزل على "الكروش الممتلئة" بالرفاهية، بل على "الظهور الصلبة" التي لوحتها الشمس.

مأساتنا: نحن جيل "ما بعد التيه".. لكن بالمقلوب!
انظر إلى حالنا اليوم.
نحن لم نخرج إلى الصحراء لنتطهر، بل دخلنا إلى "المول" لنتلوث.
نحن جيلٌ يثور لأجل "زيادة الأسعار"، ولا يثور لأجل "انتهاك المقدسات".
جيلٌ يرى في "الماركات" هوية، وفي "المنصب" غاية، وفي "الأمان الوظيفي" إلهاً يُعبد.
هل تظن أن الله سينصر دينه بجيلٍ لا يستطيع النوم إذا انقطع "الواي فاي" أو الكهرباء؟
هل تظن أن التمكين سيأتي على يد رجالٍ تكسرهم "فاتورة كهرباء"؟

دعوة للزهد.. أم دعوة للقوة؟
حين نقول: "أخرجوا الدنيا من قلوبكم"، يظن السطحيون أننا ندعوهم للبس الصوف والسكن في الكهوف.
حاشا لله. نحن ندعوكم لـ "خفة الفارس".
الجندي المثقل بالحقائب والأمتعة والهموم الدنيوية، هو هدفٌ سهل، وجثة مؤجلة.
أما الفارس الذي يملك الدنيا في جيبه، ويرميها في لحظة الخطر دون أن يلتفت، فهذا هو الذي يفتح الله على يده.
نحن بحاجة لـ "تيه تربوي" اختياري.
أن نربي أبناءنا على أنهم "مشاريع شهادة" لا "مشاريع استثمار".
أن نعلمهم أن "الخشونة" ليست فقراً، بل هي "رجولة".
أن نقتلع من صدورهم شجرة "التعلق بالتوافه"، لنزرع مكانها نخلة "التعلق بالعظائم".

ما أريد قوله باختصار:
لن يتغير شيء في واقعنا.. ما لم يمت "الفرعون الصغير" الذي في داخلنا.
فرعون "الخوف على الرزق"، وفرعون "حب الراحة"، وفرعون "الأنا المتضخمة".
التيه قادم لا محالة..
فإما أن ندخله اختياراً لنتطهر ونخرج منه قادة..
وإما أن ندخله اضطراراً (بذل وهوان).. فنفنى فيه كما فنى بنو إسرائيل، ويستبدل الله بنا قوماً غيرنا..
﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾