ما جرى في لقاء لجنة التكنوقراط مع ممثلي الاتحاد الأوروبي مطلع الاسبوع لم يكن خللًا بروتوكوليًا عابرًا، بل إشارة مبكرة إلى معركة نفوذ تُدار بهدوء خلف الأبواب المغلقة. الاجتماع الذي كان يفترض أن يكون أوروبيًا–فلسطينيًا خالصًا، تحوّل فجأة إلى ساحة حضور أميركي قسري، أربك الجلسة وطرح أسئلة أكثر مما قدّم إجابات.� كان من المفترض أن يلتقي رئيس اللجنة د. علي شعث منفردًا بالأوروبيين.
لكن المشهد تبدّل في اللحظة الأخيرة. سامي نسمان، مسؤول الملف الأمني في اللجنة، حضر الاجتماع، ومعه أيضًا ممثلة السفارة الأميركية (سارة). حضورها لم يمرّ بهدوء.
الأوروبيون أبدوا انزعاجًا واضحًا، لا عبر اعتراض مباشر، بل من خلال لغة الجلسة نفسها. لم يجدوا أي مبرر مهني أو سياسي لوجودها داخل الاجتماع. الانطباع الذي تشكّل لديهم كان صريحًا: محاولة أميركية لفرض الحضور في كل تفاصيل عمل اللجنة، بغضّ النظر عن السياق أو الحساسية السياسية.
داخل الجلسة، ركّز د. علي في حديثه على مجلس السلام، والدور الأميركي في المشهد، وطبيعة العلاقة المعقّدة مع السلطة الفلسطينية.�
الأوروبيون من جهتهم لم يغلقوا الباب؛ أعلنوا دعمهم وإسنادهم للجنة، لكن هذا الدعم جاء محمّلًا بعلامات استفهام أكثر من كونه تفويضًا واضحًا.
التمويل، الشرطة، المعابر… ثلاث عقد أساسية بدت بلا إجابات مكتملة. بل إن جزءًا معتبرًا من تقديرات الأوروبيين – كما ظهر – يستند إلى ما يُتداول في الإعلام أكثر مما يقوم على معطيات رسمية واضحة، خصوصًا في ملفات التمويل، والموظفين، وآلية إدارة المعابر.
في خضم النقاش، طرح بعض أعضاء اللجنة مطلبًا مباشرًا وحاسمًا: ضرورة صدور قرار واضح من السلطة الفلسطينية بتشغيل الموظفين “المستنكفين” في غزة. الرسالة كانت بلا مواربة: لا يمكن إدارة مرحلة طوارئ وحرب فيما آلاف الموظفين خارج الخدمة، والحاجة إليهم في الميدان بلغت ذروتها.
أما ملف التمويل، فكان الأكثر حساسية وإرباكًا.
� الأوروبيون عبّروا عن عدم ثقتهم بفكرة الصندوق الأميركي المقترح داخل البنك الدولي لتمويل مشاريع غزة. النظام – من وجهة نظرهم – غير واضح، وآليات الحوكمة ضبابية.� المفارقة أنهم أكدوا استعدادهم للتمويل، لكنهم لا يعرفون عبر أي قناة، خصوصًا في ظل واقع أن المشاريع لا تمر عبر السلطة الفلسطينية، ولا يوجد طرف دولي راغب حاليًا في ضخ أموال لغزة عبر قنواتها.
في ختام الصورة، كشف الأوروبيون عن خطوة قيد البحث: التواصل مع المصريين لبحث إمكانية تدريب أفراد الشرطة، في محاولة لسد فراغ أمني متوقّع، أو على الأقل ضبطه.
� على اية حال الاجتماع عرّى فجوة عميقة بين الخطاب الدولي الداعم، والواقع التنفيذي المرتبك.
� دعم بلا خرائط، تمويل بلا قنوات، وإدارة بلا مرجعية واضحة.
� وفي قلب هذا المشهد، تحاول واشنطن أن تكون حاضرة عنوة في كل غرفة، حتى لو أربك حضورها حلفاءها الأوروبيين