التهجير المبطن

نشر 24 يناير 2026 | 21:03

ما كشفته وكالة رويترز عن نية إسرائيل فرض معادلة “الخارجون أكثر من الداخلين” عبر معبر رفح ليس إجراءً أمنياً ولا تفصيلاً تنظيمياً...

نحن أمام تحوّل نوعي في طريقة إدارة الاحتلال للوجود الفلسطيني نفسه...

الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل بات يدور حول السيطرة على من يبقى عليها، وهذه هي أخطر مراحل أي مشروع استعماري.

في كل الحروب السابقة، كان التهجير يتم بالقصف، بالتهديد، بالمدافع  أما اليوم فيُستبدل ذلك بأداة أكثر هدوءاً وأكثر فعالية: المعبر.

حين تُقرّر قوة الاحتلال أن من يخرج للعلاج أو للدراسة أو للنجاة من القصف قد لا يُسمح له بالعودة، فإننا لا نكون أمام تنظيم للحركة بل أمام إنتاج متعمد للمنفى...

الفرق الوحيد أن اللاجئ الجديد لا يعبر الحدود تحت القصف، بل تحت ختم رسمي.

عملياً، إذا سُمح لعشرة آلاف فلسطيني بمغادرة غزة، ولم يُسمح إلا لخمسة آلاف بالعودة، فإن خمسة آلاف إنسان يتحولون تلقائياً إلى مهجّرين دائمين من دون أي قرار قضائي، ومن دون أي إعلان رسمي، ومن دون أي مشهد عنف مرئي...

هذا هو التهجير بالمعادلات الإدارية لا بالدبابات.

الأخطر من ذلك هو ما يُتداول عن نية منع الفلسطينيين الذين وُلدوا خارج غزة من دخولها.

هنا لا يجري فقط التحكم بحركة الأفراد، بل كسر السلسلة الديموغرافية نفسها، فالولادة خارج القطاع تتحول إلى فقدان حق الانتماء، والأسرة تُفكك قانونياً، والإقامة تُقطع إجرائياً...

بعد سنوات قليلة سيظهر واقع جديد: مئات الآلاف من الفلسطينيين أصولهم من غزة لكنهم قانونياً “غير مسموح لهم بالعودة إليها”...

هكذا لا يُهجَّر الناس فقط، بل تُقتلع الأجيال.

القانون الدولي لا يجرّم التهجير فقط عندما يكون عنيفاً، بل عندما يكون قسرياً في أثره.

فإذا كانت سياسات العبور تمنع الناس من العودة، أو تفصل الأسر، أو تعيد تشكيل السكان، فهي نقل قسري للسكان حتى لو تمت عبر أوراق رسمية...

قوة الاحتلال لا تملك حق اختيار من يبقى ولا من يرحل، ولا من يولد داخل الأرض المحتلة أو يُمنع من دخولها، هذا هو جوهر نظام الفصل العنصري.

ما يجري في غزة هو نزيف سكاني بطيء، صامت، مغطى بإجراءات إدارية، لكنه تدميري وجودياً...

وإذا ترسخت معادلة “من يخرج قد لا يعود”، فإن غزة تتحول من أرض محاصرة إلى مساحة نزف دائم، حيث يصبح كل مريض، وكل طالب، وكل حامل، وكل جريح، وكل أسرة تبحث عن نجاة مرشحة للتحول إلى مهجّرة نهائية، لا بقرار عسكري بل بختم على جواز السفر.

مواجهة هذا المخطط لا تكون بالشعارات بل بإعادة تعريف من يملك سلطة القرار على المعبر.

القضية ليست في استبدال السيطرة الإسرائيلية بوصاية دولية، بل في نزع حق التحكم من الاحتلال نفسه.

معبر رفح يجب أن يكون معبراً فلسطينياً–مصرياً لا يملك فيه الاحتلال أي صلاحية تتعلق بمن يدخل أو من يخرج أو من يعود.

إلى جانب ذلك يجب إنشاء سجل عودة فلسطيني مستقل يُسجَّل فيه كل من يخرج من غزة بوصفه مقيماً خرج مؤقتاً وله حق عودة غير قابل للنقض...

بهذا تُغلق الثغرة التي يحاول الاحتلال استخدامها لتحويل الخروج الإنساني إلى نفي دائم...

كل فلسطيني يغادر غزة للعلاج أو الدراسة أو النجاة من القصف يجب أن يكون محمياً قانونياً من التحول إلى مُهجَّر.

يجب أن تُربط إدارة المعبر وحق العودة عبره باتفاق ملزم يخضع للمساءلة، لا بتفاهمات أمنية قابلة للخرق.

أي منع للعودة أو تلاعب بقوائم الدخول يجب أن يُعتبر خرقاً قانونياً يُفَعِّل آليات المحاسبة الدولية.

وأخيراً، لا يجوز أن يخرج فلسطيني من غزة بصمت...

كل حالة منع عودة يجب أن تتحول إلى ملف قانوني موثّق باسم ورقم وتاريخ، يدخل مباشرة في منظومة الملاحقة الدولية، لأن الاحتلال يراهن على الخروج الفردي، بينما كسر مخطط التهجير يبدأ بتحويل كل خروج إلى حق جماعي لا يمكن مصادرته.

ما يُحاك لغزة اليوم ليس إعادة إعمار، بل إعادة تشكيل بشرية... ومن لا يفهم المعبر، لن يفهم التهجير الجديد.