شكّل العاروري نموذجًا فريدًا في الجمع بين الجهاد والعمل السياسي والتنظيمي، وعُرف عنه الثبات، وصلابة الموقف، ووضوح الرؤية، والإصرار على تحقيق الأهداف مهما كانت التضحيات، كما ترك أثرًا عميقًا في نفوس رفاقه وأبناء شعبه.
اختير العاروري عضوًا في المكتب السياسي لحركة حماس عام 2010، وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2017 انتُخب نائبًا لرئيس المكتب السياسي للحركة من قبل مجلس الشورى العام، وهو المنصب الذي أعيد انتخابه له عام 2021، إلى جانب توليه مسؤولية قيادة الحركة في الضفة الغربية، بما مثّله ذلك من ثقل تنظيمي وسياسي وميداني.
وكرّس العاروري حياته لدينه ووطنه، وآمن بأهمية العمل الوطني المشترك، وسعى باستمرار إلى تقريب وجهات النظر بين القوى الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، الذي اعتبره عدوًا مشتركًا للجميع.
كما جمع العاروري بين أدوار متعددة، فكان الشيخ الفقيه والمربي والواعظ، إلى جانب كونه سياسيًا متمرسًا يدرك تعقيدات المشهد السياسي ويحسن التعامل معها، فضلًا عن دوره البارز في العمل التنظيمي والحركي.
الدور الداخلي
أشرف العاروري على تنشيط خلايا المقاومة في الضفة الغربية، وبارك "الغرفة المشتركة" في غزة بوصفها نموذجًا وطنيًا جامعًا يوحّد القرار المقاوم.
وتبنّى المقاومة بوصفها الخيار المشروع والاستراتيجي للدفاع عن الأرض والإنسان، وكمشروع تحرري متكامل، يهدف إلى كسر إرادة الاحتلال وفرض حقوق الشعب الفلسطيني كاملة غير منقوصة.
الدور الوطني الجامع
أولى الشهيد العاروري أهمية مركزية للوحدة الوطنية بوصفها شرطًا حاسمًا لمواجهة الاحتلال وحماية المشروع الوطني، وقاد وفد حركة حماس إلى القاهرة ووقّع اتفاق المصالحة عام 2017.
وتميّزت خطاباته بلغة وطنية جامعة ترفض الإقصاء والانقسام، ونظر إلى المصالحة باعتبارها ضرورة وجودية لا خيارًا تكتيكيًا، تقوم على الشراكة الحقيقية واحترام المقاومة، ورفض المصالحة الشكلية التي تتجاهل جوهر الصراع.
وأكد أن وحدة الصف وحفظ الدم الفلسطيني وتوجيه البوصلة نحو مواجهة الاحتلال تمثل الأساس لأي مشروع وطني جامع.
الدور الإقليمي
تبنّى العاروري مبدأ "وحدة الساحات" كاستراتيجية مواجهة شاملة، تقوم على ربط الجبهات الفلسطينية والإقليمية في معركة واحدة.
ولعب دور حلقة الوصل بين حركة حماس وحزب الله والجماعة الإسلامية، وأسهم في تعزيز التنسيق السياسي والميداني.
دوره خلال "طوفان الأقصى"
شارك العاروري في المفاوضات المعلنة لتبادل الأسرى خلال الهدنة الإنسانية المؤقتة، وكان أحد صُنّاع الرواية السياسية لمعركة "طوفان الأقصى"، وأكد في مواقفه الإعلامية أن أي تبادل إضافي للأسرى مرهون بوقف العدوان ووقف إطلاق النار.
تعرّض العاروري لتهديدات متكررة بالاغتيال من قادة الاحتلال، وأُدرج على قوائم الاستهداف الأمريكية، وهُدم منزله في بلدة عارورة، واعتُقل عدد من أفراد عائلته، لكنه بقي ثابتًا على مواقفه، معلنًا أن الشهادة أسمى أمانيه وخاتمة طريقه.
نشأة وحياة العاروري
وُلد الشهيد صالح محمد سليمان العاروري عام 1966 في بلدة عارورة قرب مدينة رام الله بالضفة الغربية، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس قريته، قبل أن يلتحق بجامعة الخليل، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الشريعة الإسلامية.
بدأ العاروري نشاطه في العمل الإسلامي في سن مبكر عبر المدرسة والمساجد، ثم برز كأحد قادة العمل الطلابي الإسلامي في جامعة الخليل منذ عام 1985.
ومع انطلاقة حركة حماس أواخر عام 1987، كان من أوائل المنضمين إليها، وممن أسهموا في ترسيخ حضورها التنظيمي والشعبي في الضفة الغربية.
الاعتقال والإبعاد
أمضى الشهيد العاروري ما مجموعه 18 عامًا في سجون الاحتلال، حيث اعتُقل إداريًا بين عامي 1990 و1992 دون محاكمة، على خلفية نشاطه المقاوم.
وفي عام 1992 أعاد الاحتلال اعتقاله وحكم عليه بالسجن 15 عامًا بتهمة تشكيل الخلايا الأولى لكتائب القسام، وأُفرج عنه عام 2007، ثم أعيد اعتقاله بعد ثلاثة أشهر حتى عام 2010، حين قررت محكمة الاحتلال العليا الإفراج عنه وإبعاده خارج فلسطين.
أُبعد الشهيد العاروري إلى سوريا عام 2010، حيث استقر فيها حتى فبراير/شباط 2012، قبل أن يغادرها عقب اندلاع الثورة السورية.
وتنقل بعد ذلك بين مصر وقطر وتركيا، ليستقر لاحقًا في لبنان، مواصلًا دوره السياسي والتنظيمي في خدمة مشروع المقاومة الفلسطينية.
ونعته حركة حماس باعتباره أحد أبرز قادتها السياسيين والعسكريين، وقائد الحركة في الضفة الغربية، برفقة قادة القسام "سمير فندي وعزام الأقرع" وعدد من من كوادر وأبناء الحركة، الذين قضوا على درب الحرية والبطولة في معركة "طوفان الأقصى".