فِي كُلِّ صَلَاةِ جُمُعَةٍ نَحْصُلُ عَلَى مَزِيدٍ مِنَ الأَوْسِمَةِ وَالنِّيَاشِينِ تَقْدِيرًا عَلَى صَبْرِنَا وَثِبَاتِنَا فَوْقَ أَرْضِ غَزَّةَ الْمُدَمَّرَةِ بِفِعْلِ الْحَرْبِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي بَدَأَتْ فِي ٧ أُكْتُوبَرَ ٢٠٢٣م وَتَمْتَدُّ آثَارُهَا الْكَارِثِيَّةُ حَتَّى الآن.
يَسْتَحِقُّ كُلُّ طِفْلٍ بِغَزَّةَ وِسَامَ الشَّجَاعَةِ وَنُوطَ الْوَاجِبِ؛ الْحَقُّ أَنْ الرُّعْبَ مِنْ مَصِيرِنَا قَتْلَى أَوْ جَرْحَى تَحْتَ الأَنْقَاضِ فِي حَرْبِ الإبَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ زَارَنَا فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلَةِ عِشْرِينَ مَرَّةً طِيلَةَ سَنَتَيْنِ، وَهِيَ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ عَلَى طَاقَاتِنَا الْبَشَرِيَّةِ الْضَّعِيفَةِ.
كَانَتْ سَنَةُ ٢٠٢٥م سَنَةً مَلِيئَةً بِتَوْزِيعِ الأَوْسِمَةِ وَالنِّيَاشِينِ عَلَى الشَّعْبِ الْفِلَسْطِينِيِّ فِي قِطَاعِ غَزَّةَ مِنَ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، لَقَدْ تَنَاوَلَهَا الْإِعْلَامُ بِوَسَائِلَ عَدِيدَةٍ بِمَا يَكْفِي وَجَمَعَ عَلَى مَظَاهِرِ مُعَانَاتِهَا فَاسِدُونَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَالِ وَلَا زَالُوا.
النَّاسُ بِغَزَّةَ صَبَرُوا بِمِقْدَارٍ يَسْتَحِقُّ الْاحْتِرَامَ أَمَامَ الإبَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ الْحَالِيَّ يَحْتَاجُ لِتَغْيِيرٍ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ لِلْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، لأَنَّ الشَّمْسَ تَشْرُقُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى مُهِمَّاتٍ وَاحْتِيَاجَاتٍ لَا يُلَبِّيهَا الثَّنَاءُ.
يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ صَلَاةً جَمَاعِيَّةً ظُهْرَ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، يَسْتَمِعُونَ فِيهَا لِمَوْعِظَةٍ تَتَنَاوَلُ الْأَخْلَاقَ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ، وَتَتَعَرَّضُ لِأَهَمِّ قَضَايَا الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ وَظَوَاهِرَ جَدِيدَةٍ عَلَى حَيَاةِ النَّاسِ.
لَوْلَا سِتْرَتِي الشِّتَوِيَّةُ الَّتِي تَتَرَاكَمُ عَلَى صَدْرِهَا الأَوْسِمَةُ وَالنِّيَاشِينُ، لَمَا تَمَكَّنْتُ مِنَ الْعَوْدَةِ لِلْبَيْتِ مِشْيًا عَلَى الْأَقْدَامِ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ.
فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْمَاضِيَةِ، مَنَحَنَا الْوَاعِظُ أَرْبَعَةَ أَوْسِمَةٍ هِيَ:
وِسَامُ الْغُرْبَةِ = نَعِيشُ الْاغْتِرَابَ فِي بِلَادِنَا
وِسَامُ الصِّدْقِ = مُعَانَاتُنَا حَقِيقِيَّةٌ صَادِقَةٌ
وِسَامُ النَّصْرِ = انْتَصَرْنَا أَخْلَاقِيًّا عَلَى الِاحْتِلَالِ
وِسَامُ الْحَقِّ = قَضِيَّةٌ عَادِلَةٌ
أَمَّا الْجُمُعَةُ الْمَاضِيَةُ، فَبَعْدَ إِنْفَاقِ الْمَزِيدِ مِنَ الأَوْسِمَةِ وَالنِّيَاشِينِ وَانْتِقَادِ ضَعْفِ مَوَاقِفِ دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ وَإِسْلَامِيَّةٍ تِجَاهَ مَأْسَاةِ الْإِنْسَانِ فِي غَزَّةَ، جَرَى فَتْحُ مِلَفِّ اتِّفَاقِيَّاتِ غَازِ شَرْقِ الْبَحْرِ الأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ، الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا مُؤَخَّرًا مِصْرُ مَعَ إِسْرَائِيلَ اتِّفَاقِيَّةً بِقِيمَةِ ٣٥ مِلْيَارَ دُولَارٍ.
اتِّفَاقِيَّاتٌ اقْتِصَادِيَّةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ هَذَا النَّوْعِ تُنَاقَشُ فِي مَحَافِلِ اقْتِصَادٍ وَسِيَاسَةٍ، لَكِنَّ أَمَامَ جَيْشٍ مِنَ الْمُصَابِينَ بِكُلِّ أَنْوَاعِ الْجُرُوحِ، فَأَوَّلُ مَا يُسَاعِدُهُمْ هُوَ الْإسْعَافُ الْأَوَّلِيُّ، فَذَلِكَ أَجْدَى.
الحَقِيقَةُ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ حُقُولِ الْغَازِ الطَّبِيعِيِّ فِي شَاطِئِ غَزَّةَ مَسْأَلَةٌ بَدَأَتْ عَامَ ١٩٩٥م وَلَمْ تَحْصُلْ فِيهَا السُّلْطَةُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ وَسُكَّانُ غَزَّةَ عَامَّةً عَلَى شَيْءٍ، وَبَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْحَرْبِ لَنْ نَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ، وَنَحْنُ لَا نَجِدُ فِي خِيَامِ أَوْ بُيُوتِ الْلَّاجِئِينَ غَازَ الطَّبْخِ!!
وَنَحْنُ عَلَى فَوْهَةِ سَنَةٍ جَدِيدَةٍ ٢٠٢٦م، بَعْدَ أَنْ وَدَّعْنَا سَنَةَ ٢٠٢٥م، لَا زَالَ عَدَّادُ الْمَوْتِ وَالْإصَابَاتِ يَقْفِزُ بِسُرْعَةٍ، وَقَدْ بَلَغَتِ الإِحْصَائِيَّاتُ مُنْذُ انْدِلَاعِ الْحَرْبِ فِي ٧ أُكْتُوبَرَ ٢٠٢٣م حَتَّى الآنَ: أكثر من ٧١٢٦٦ ضحية وبلغت
الإصابات: ١٧١,٢١٩
وَحَسَبَ بَيَانِ الْجِهَازِ الْمَرْكَزِيِّ لِلإِحْصَاءِ الْفِلَسْطِينِيِّ الصَّادِرِ نِهَايَةَ دِيسَمْبَرَ ٢٠٢٥م، انْخَفَضَ عَدَدُ سُكَّانِ قِطَاعِ غَزَّةَ بِنِسْبَةِ ١٠.٦٪ خِلَالَ عَامَيْنِ مِنَ الْحَرْبِ، مَعَ تَدْمِيرٍ شِبْهِ كَامِلٍ لِلْمُنْظُومَةِ الصِّحِّيَّةِ فِي قِطَاعِ غَزَّةَ وَأَوْضَاعٍ صِحِّيَّةٍ وَغِذَائِيَّةٍ حَرِجَةٍ لِلْنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ.
أَرْجُو أَنْ تَغَادِرَ مَظَاهِرُ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ وَنَمُوذَجُ الْبُطُولَةِ حَيَاتَنَا لِبَعْضِ الْوَقْتِ، وَأَنْ نُسَاعِدَ أَنْفُسَنَا وَنَقْبَلَ مُسَاعَدَةَ الْأَصْدِقَاءِ فِي تَغْيِيرِ حَيَاتِنَا لِلْأَفْضَلِ، وَأَنْ نَفْهَمَ أَنَّ السِّيَاسَةَ فَنُّ الْمُمْكِنِ تَعْمَلُ وَفْقَ الْإمْكَانَاتِ لِخِدْمَةِ الْوَطَنِ، مَعَ الْفَهْمِ أَنَّ الْغَايَةَ لَا تُبَرِّرُ الْوَسِيلَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ الْأَدْيَانَ السَّمَاوِيَّةَ كَافَّةً، وَمِنْهَا الإِسْلَامُ، رَكَّزَتْ عَلَى ضَرُورَةِ حِمَايَةِ الْإِنْسَانِ وَبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ صَالِحٍ.
الإِيمَانُ وَالصَّبْرُ لَا يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَا الْوَاقِعِيَّةَ فِي شُؤُونِ السِّيَاسَةِ وَالْمُجْتَمَعِ، فَمِنْطِقَةٌ مُنْكُوبَةٌ مِثْلَ غَزَّةَ تَعَرَّضَتْ لِلإبَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ، بِحَاجَةٍ لِلتَّثَبُّتِ عَلَى حُقُوقِهَا، لَكِنَّهَا بِحَاجَةٍ أَيْضًا لِحُلُولٍ فِي الْكَارِثَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، لأَنَّ الْمَوَاعِظَ الدِّينِيَّةَ تُرْشِدُ الْإِنْسَانَ وَتَمْنَحُهُ الإِيمَانَ قُوَّةَ إِرَادَةٍ، لَكِنَّهَا لَا تُفْعِلُ حُلُولًا عَمَلِيَّةً، فَالسَّمَاءُ لَا تُمْطِرُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً!.
فَشِلَ مَشْرُوعُ السَّلَامِ بَيْنَ السُّلْطَةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ وَافْتِقَادِ الْحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَبُرُوزِ تَأْثِيرِ أَيْدِيلُوجِيَّاتٍ مُغْلَقَةٍ تَفْتَقِدُ لِلْوَاقِعِيَّةِ طُولَ عَقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَانِ، أَدَّتْ بِتَرَاكُمِيَّةٍ مُتَسَارِعَةٍ لِهَذَا الصِّدَامِ وَالْفَشَلِ حِينَ غَابَ الْمَنْهَجُ الْعَقْلَانِيُّ عَنْ مُرَاعَاةِ شُؤُونِ وَمَصَالِحِ عَامَّةِ النَّاسِ.
الْوَطَنُ بِحَاجَةٍ لِكَثِيرٍ مِنَ الْعَمَلِ وَالتَّضْحِيَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ بِحَاجَةٍ لِلْمَوْتِ وَتَمْجِيدِ الْمَوْتِ، وَهَذَا مَا يُغْرِقُنَا بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْوُعَاظِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ جَوْلَةِ صِرَاعٍ مَعَ الْاِحْتِلَالِ، فَهُنَاكَ كَثِيرٌ مِنْ أَدَوَاتِ وَوَسَائِلِ التَّأْثِيرِ النَّاعِمَةِ مِنْهَا وَالْخَشِنَةِ فِي الصِّرَاعِ.
اِسْتِقْدَامُ نَمَاذِجٍ مِنْ حَرَكَاتِ التَّحَرُّرِ الْوَطَنِيِّ فِي الْقَرْنِ الْمَاضِي كَانَ فِي فِيِتْنَامَ وَجَنُوبِ أَفْرِيقْيَا وَالْجَزَائِرِ، وَلَمْ تُحْسَمْ فِيهَا نَتَائِجُ الصِّرَاعِ لِأَصْحَابِ الْحُقُوقِ بِالْمَوَاعِظِ الدِّينِيَّةِ وَالصَّبْرِ فَقَطْ؛ فَالتَّعَالِيمُ الدِّينِيَّةُ السَّلِيمَةُ تَشْحَنُ صَاحِبَ الْحَقِّ بِقُوَّةٍ أَمَامَ خَصْمِهِ وَالْمُعْتَدِي عَلَى حَقِّهِ، لَكِنْ هُنَاكَ تَفَاصِيلُ عَمَلِيَّةٌ فِي وَاقِعِ شُؤُونِ الْحَيَاةِ تَكُونُ فِيهَا الْفَضِيلَةُ وَالْأَخْلَاقُ الَّتِي يَدْعُو لَهَا الدِّينُ عَامًّا مُحَرِّكَةً نَحْوَ الاجْتِهَادِ وَالْعَمَلِ.
مُنْذُ سريَانِ وَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ فِي أُكْتُوبَرَ الْمَاضِي، يَتَحَدَّثُ وُعَاظُ الدِّينِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ كُلَّ أُسْبُوعٍ عَنْ فَضْلِ الثَّبَاتِ فَوْقَ أَرْضِ سَاحِلِ فِلَسْطِينَ الْمُحْتَلَّةِ وَثَوَابِ الْمُعَانَاةِ عَلَى يَدِ الْاِحْتِلَالِ، لَكِنَّنَا نَعُودُ وَنَتَحَسَّسُ جُيُوبَنَا الْفَارِغَةَ وَنُحَاوِلُ تَوْفِيرَ الْعِلَاجِ فَلَا نَجِدُ وَنَتَجَنَّبُ دُخُولَ السُّوقِ مُعْظَمَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ حَتَّى لَا يَفْتَرِسَنَا تُجَّارُ الْحُرُوبِ.
فِي الْمَسْجِدِ وُجُوهٌ شَاحِبَةٌ وَأَجْسَادٌ مَرِيضَةٌ بِسَبَبِ الْحَرْبِ؛ تَتَفَاعَلُ مَشَاعِرُهُمْ مَعَ الْمَوْعِظَةِ فَيَرْفَعُ بَعْضُهُمْ حَوَاجِبَهُ إِندَهَاشًا وَيَهُزُّ آخَرُونَ رِقَابَهُمْ تِلْقَائِيًّا بِالِاسْتِحْسَانِ، بَيْنَمَا يَطْرُقُ بَعْضُهُمْ فِي وُجُومٍ عَمِيقٍ؛ لَا أَحَدَ يَخْتَلِفُ عَلَى عَدَالَةِ الْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ وَعُدْوَانِ الإبَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا غَزَّةُ طُوالَ سَنَتَيْنِ، لَكِنَّ الْمُعَانَاةَ الْمُسْتَمِرَّةَ مُنْذُ إِعْلَانِ وَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ لَا يُبْدُو لَهَا نِهَايَةٌ.
نَعُودُ مُحَصَّنِينَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْأَمْثِلَةِ الَّتِي تَشَخِّذُ الْهِمَمَ وَتَدْعُو لِلصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ، لَكِنَّنَا نَصْطَدِمُ بِصَخْرَةِ الْوَاقِعِ الْأَلِيمِ، فَكُلُّ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ تَفْتَقِدُ لِأَدْنَى الْمُقَوِّمَاتِ.
النَّاسُ يَهِيمُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ بَحْثًا عَنِ الطَّعَامِ وَالْمِيَاهِ، وَيَجْمَعُونَ الْحَطَبَ تَمَامًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الْأَجْدَادُ لِيَطْبُخُوا الطَّعَامَ؛ التَّنَاقُضَاتُ مُشْتَعِلَةٌ فِي حَيَاتِنَا، وَكُلُّ النُّخَبِ وَالْمُثَقَّفِينَ خَارِجَ فَلَكِ أَثْرِيَاءِ الْحُرُوبِ جرى إِهَانَتُهُمْ وَهُمْ يُصَارِعُونَ الْحَيَاةَ.
كُلُّهُمْ يَصِفُونَ الْوَاقِعَ وَيَتَحَدَّثُونَ عَنِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، لَكِنَّنَا لَا نَجِدُ وَصْفَةً عَمَلِيَّةً وَاحِدَةً تحلُّ مُشْكِلَةً صَغِيرَةً مِنْ مُوسُوعَةِ الْأَزَمَاتِ الَّتِي صَدَرَتْ طَبْعَتُهَا الْفَرِيدَةُ فِي زَمَنِ التَّطْهِيرِ الْعِرْقِيِّ وَالإبَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ؛ نَحْنُ يَا سَادَةُ نَعِيشُ الْمَأْسَاةَ وَالْمُجْتَمَعُ الْفِلَسْطِينِيُّ يَصْبِرُ، لَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُعَانَاتُهُ الشَّامِلَةُ رُوتِينًا يَعْتَادُ عَلَيْهِ الْعَالَمُ، وَيُشِيحُ السِّيَاسِيُّونَ بِوُجُوهِهِمْ عَنْهُ وَهُمْ يَرْتَدُونَ رَبَطَاتِ عُنُقٍ أَنِيقَةٍ وَيُطْلِقُونَ بَلَاغَاتٍ دِبْلُومَاسِيَّةً مُحْكَمَةً.
مُؤَكَّدٌ أَنَّ حَلَّ الْمُشْكِلَاتِ الْكُبْرَى فِي مِنْطِقَةٍ مُنْكُوبَةٍ مِثْلَ غَزَّةَ لَيْسَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ رِجَالِ الدِّينِ، لَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ الدِّينِيُّ، الَّذِي يُعَدُّ صَاحِبَ تَأْثِيرٍ كَبِيرٍ فِي حَيَاةِ النَّاسِ بِغَزَّةَ، مُفْصُولًا عَنِ الْوَاقِعِ؛ فَالتَّذْكِيرُ بِالْجَزَاءِ الإِلَهِيِّ فِي الصَّبْرِ عَلَى الشَّدَائِدِ أَمْرٌ مُهِمٌّ، لَكِنَّ الأَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً تَوْظِيفُ تَعَالِيمِ الإِسْلَامِ لِإصْلَاحِ مَا فَسَدَ فِي الْحَيَاةِ، فَغَايَةُ خَلْقِ الْأَرْضِ كَانَتْ لِلْإِعْمَارِ وَبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ، وَكُلُّ الأَدْيَانِ السَّمَاوِيَّةِ تَلْتَقِي عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالْخُلُقِ الْحَسَنِ وَالْعَمَلِ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ.
إِشْكَالِيَّاتُ الْخِطَابِ السِّيَاسِيِّ الْفِلَسْطِينِيِّ أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ اسْتِرَاتِيجِيَّةَ عَمَلٍ وَطَنِيٍّ مُوَحَّدٍ يَجْمَعُ الْأَيْدِيلُوجِيَّاتِ وَالْعَقَائِدَ الْفِكْرِيَّةَ لِفَصَائِلِ الْعَمَلِ الْوَطَنِيِّ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ مِنْ مُقَاوَمَةِ الْاِحْتِلَالِ، وَهَكَذَا تَضِيعُ كَثِيرٌ مِنَ الْجُهُودِ لِقُوَى يَسَارِيَّةٍ وَعِلْمَانِيَّةٍ وَدِينِيَّةٍ فَوْقَ رَقْعَةِ التَّضْحِيَةِ الْوَطَنِيَّةِ.
قَادَةُ الْعَمَلِ السِّيَاسِيِّ الْفِلَسْطِينِيِّ، الَّذِينَ هُمْ بِحَاجَةٍ لإعَادَةِ إِصْلَاحِ مُؤَسَّسَاتِهِمْ وَتَجْدِيدِ شَرْعِيَّتِهِمْ بِانْتِخَابَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ، يَغْرِقُونَ وَسَائِلَ الْإِعْلَامِ بِالْحَدِيثِ عَنْ اسْتِمْرَارِ الْمُؤَامَرَةِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ خَطَّ نَظَرِيَّةَ الْمُؤَامَرَةِ، فَهِيَ مِشْجَبٌ لِكَثِيرٍ مِنَ الْعَاجِزِينَ الْفَاشِلِينَ فِي الْعَالَمِ الثَّالِثِ وَالْأَنْظِمَةِ الدِّيكتَاتُورِيَّةِ.
أَنْفَقَتْ كَثِيرٌ مِنَ التَّيَّارَاتِ وَالْحَرَكَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي الْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ وَقْتَهَا وَمَوَارِدَهَا فِي الْقِتَالِ وَأَعْمَالٍ عُنِيفَةٍ، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَفْشَلُ دَائِمًا فِي فُنُونِ الْحَيَاةِ وَبِنَاءِ مُجْتَمَعَاتٍ تَقُومُ عَلَى السَّلَامِ وَالْوِئَامِ؛ الْفِلَسْطِينِيُّ يُصَارِعُ آخِرَ احْتِلَالٍ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، بَدَأَ عَامَ ١٩٤٨م، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ احْتِلَالٌ لِلْأَرْضِ وَانْتِهَاكٌ لِلْحُقُوقِ فَوْقَ أَرْضِ فِلَسْطِينَ الْمُحْتَلَّةِ، لَمَا كَانَ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ أَسَاسًا.
النَّاسُ لَيْسُوا بِحَاجَةٍ لِمَزِيدٍ مِنَ الْمَوَاعِظِ الدِّينِيَّةِ فِي زَمَنِ الإبَادَةِ الْجَمَاعِيَّةِ؛ صَحِيحٌ أَنَّ التَّذْكِيرَ بِالْفَضِيلَةِ وَالْأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ يُسَاهِمُ فِي ضَبْطِ سُلُوكِ الْإِنْسَانِ، لَكِنَّ بَعْدَ مَا تَعَرَّضَ لَهُ النَّاسُ مِنْ إبَادَةٍ جَمَاعِيَّةٍ، يَحْتَاجُونَ لِقُدْوَةٍ عَمَلِيَّةٍ تَأْخُذُ بِيَدِهِمْ وَيَتَلَمَّسُونَ ثَقَافَةً حِسِّيَّةً فِي قُدْوَةٍ حَسَنَةٍ وَصَادِقَةٍ وَأَيَادٍ أَمِينَةٍ بَعْدَ انْهِيَارِ كُلِّ مُعَادَلَاتِ السِّيَاسَةِ الَّتِي أَلْقَتْ بِهِمْ فِي نِيرَانِ الْحُرُوبِ.
كَمْ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يُوَجِّهَ الْوُعَاظُ سِهَامَهُمْ نَحْوَ التُّجَّارِ الْمُحْتَكِرِينَ وَالْمُسْتَغِلِّينَ، مُنْذُ بَدَأَتِ الْحَرْبُ، فَالْأَغْنِيَاءُ يَزْدَادُونَ غِنًى وَالْفُقَرَاءُ، وَهُمْ مُعْظَمُ الشَّعْبِ، يَزْدَادُونَ فَقْرًا… صَحِيحٌ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا كَثِيرًا عَنْ إِجْرَامِهِمْ، لَكِنْ بِإِمْكَانِهِمْ تَحْرِيضُ الرَّأْيِ الْعَامِّ عَلَيْهِمْ وَالتَّدَخُّلُ عَمَلِيًّا مَعَ النُّخَبِ وَإِحْرَاجُ الْمَسْؤُولِينَ لِكَبْحِ جَمَاحِهِمْ، فَرِجَالُ الدِّينِ الْمُحْتَرَمُونَ يَنَالُونَ ثِقَةَ النَّاسِ وَالْجُمْهُورُ يَسْتَمِعُ لَهُمْ وَيُؤْمِنُ بِعَدَالَةِ الدِّينِ الإِسْلَامِيِّ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
عَامُ ٢٠٢٦م، أَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ عَامَ سَلَامٍ وَبِنَاءٍ، يَحْصُلُ فِيهِ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ وَاحْتِيَاجَاتِهِمِ الْأَسَاسِيَّةِ، فَالْأَوْطَانُ تُبْنَى بِالْعَمَلِ الْجِاد… أَتَمَنَّى أَنْ تَنْتَهِيَ الْكَارِثَةُ الْمُمْتَدَّةُ وَنَكُونَ عَلَى أَعْتَابِ وَاقِعٍ جَدِيدٍ مَلْؤُهُ السَّعَادَةُ وَالِاسْتِقْرَارُ.