كان المطر هذا الصباح أثقل من المعتاد. خيامٌ تغرق، وأطفالٌ ينامون على أرضٍ مبتلّة، كأن الشتاء قرر أن يختبر ما تبقّى من قدرة الناس على الاحتمال. وفي هذا المشهد القاسي، كان خبرٌ آخر يتقدّم بهدوء: خلال ساعات، سيلتقي دونالد ترامب و**بنيامين نتنياهو** في منتجع مارالاغو بفلوريدا. لقاء يبدو على الورق بروتوكوليًا، لكنه في الحقيقة اختبار إرادات، وغزّة في قلبه.
التقارير الأميركية لا تتحدث عن دفء في العلاقة، بل عن تصدّع متزايد. بالنسبة لترامب، غزّة هي العنوان الأثقل سياسيًا؛ يريد أن يُظهر أن “الخطة” التي تبنّاها تتحرك، وأن المرحلة الثانية قابلة للتنفيذ، لأن هذا الملف بات جزءًا من صورته وإرثه السياسي. أمّا نتنياهو، فيتجه نحو انتخابات 2026 وهو يحمل هاجسًا مختلفًا تمامًا: أي اتفاق في غزة يُبقي المقاومة قائمة، سيُقدَّم داخليًا كهزيمة سياسية، مهما كانت صياغته أو تسمياته.
من هنا تبدأ العقدة التي ستخيّم على اللقاء. واشنطن تريد تقدمًا سريعًا، إشارات واضحة، وانتقالًا من وقف النار إلى ترتيبات المرحلة التالية. في المقابل، يدفع نتنياهو نحو شروط أمنية طويلة النفس: نزع سلاح كامل، بلا جداول زمنية واضحة، ولا انسحاب في المدى المنظور. فجوة ليست تقنية ولا تفصيلية، بل سياسية بامتياز.
على الورق، تبدو المرحلة الثانية مرتّبة: لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة الشأن الداخلي، إطار أو مجلس للإشراف على السلام، وقوة استقرار دولية تُمسك جزئيًا بملف نزع السلاح. لكن المشكلة أن هذه الأدوات ما زالت حبرًا على ورق. لا لجنة تشكّلت فعليًا، ولا قوة دولية وُلدت، فيما الغارات لا تتوقف رغم اتفاق وقف إطلاق النار. حتى الأميركيون يعترفون بأن الانتقال من النص إلى التنفيذ يصطدم بأسئلة صعبة: من سيُشرف؟ من يفرض؟ ومن يتحمّل الكلفة السياسية والأمنية؟
ولهذا السبب تحديدًا، يتراجع العالم خطوة إلى الخلف عندما يُطلب منه إرسال قوات “استقرار”. الضغط الأميركي يتزايد لدفع الاحتلال إلى انسحابات إضافية في غزة وجنوب لبنان، حتى دون نزع السلاح، فقط لإظهار “تقدم سياسي” على أكثر من جبهة. لكن في المقابل، تحذّر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن الاستجابة لهذه الضغوط قد تُفرغ ما تسميه “مكاسب الحرب” من مضمونها، وتطالب بحد أدنى واضح: نزع سلاح، تدمير بنى تحتية، رقابة دولية فعّالة، وضوء أخضر أميركي لحرية عمل عسكري عند أي خرق. وبين هذا وذاك، تقف الدول أمام معادلة بسيطة: لا أحد يريد أن يتحول إلى شرطي بالنيابة داخل مستنقع سياسي وأمني بلا تفويض واضح ولا نهاية محددة.
التوتر لم يبقَ نظريًا. قبل أيام فقط، فجّرت تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي حول إقامة مستوطنات داخل غزة غضبًا أميركيًا مكتومًا، تلاه توبيخ ثم عودة للتصعيد الكلامي ورفض الانسحاب الكامل. وقبل ذلك، وبعد اغتيال رائد سعد، القيادي البارز في كتائب القسام منتصف ديسمبر، قال ترامب علنًا إنه “ينظر” في ما إذا كان وقف إطلاق النار قد خُرق، مع رسائل واضحة لنتنياهو بأن واشنطن لن تسمح بتشويه سمعة الرئيس بعد وساطته للاتفاق. هذه ليست تفاصيل هامشية؛ في عقل ترامب، الصفقة ليست ملفًا خارجيًا فقط، بل عنوانًا داخليًا، وأي تصعيد غير محسوب يحرجه أمام جمهوره.
لهذا، فإن لقاء الساعات القادمة ليس عن غزة وحدها، بل عن سؤال أكبر: هل نحن أمام دفع سياسي سريع لإعلان ترتيبات تُظهر أن المرحلة الثانية بدأت، ولو شكليًا؟ أم أمام تعطيل أمني متبادل، ضغط أميركي يقابله تمسك إسرائيلي بخطوط السيطرة؟ أم أن ملف السلاح، مرة أخرى، سيُرحّل عمليًا لأن فرضه يحتاج قوة دولية لا أحد يريد تحمّل كلفتها، بينما يدفع أهل غزة ثمن الانتظار يومًا بعد يوم؟
ببساطة، ما يجري ليس حلًا نهائيًا، بل إدارة أزمة. غزّة اليوم عالقة بين صورة كبيرة يبحث عنها ترامب، وانتخابات 2026 يخشاها نتنياهو، وبينهما واقعٌ على الأرض يقول إن الوقت لا يتسع لمزيد من التجارب السياسية… فيما المطر والخيام لا تنتظر قرارات مارالاغو.