نتنياهو وإقليم أرض الصومال

نشر 28 ديسمبر 2025 | 18:56

يمثّل "الاعتراف الإسرائيلي" بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة تطوراً سياسياً بالغ الدلالة، لا يمكن فهمه خارج سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فالخطوة، التي تتناقض بوضوح مع القانون الدولي ومع مبدأ وحدة الأراضي الصومالية المعترف به أممياً وإفريقياً، لا تهدف إلى إنشاء علاقة ثنائية تقليدية بقدر ما تعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية في النظام العالمي المعاصر.

1. السيطرة غير المباشرة على باب المندب

يمثّل باب المندب عقدة استراتيجية تربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، وبالتالي بين آسيا وأوروبا. الاعتراف بأرض الصومال يمنح إسرائيل موطئ قدم سياسي وأمني على الضفة الإفريقية لهذا الممر الحيوي، بما يسمح لها بالمشاركة في معادلات ضبط الملاحة الدولية، ليس فقط كطرف مستفيد، بل كفاعل مؤثر. هذا التحوّل ينقل إسرائيل من موقع المراقبة غير المباشرة إلى موقع الشريك الأمني في أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

2. محاصرة الحوثيين وإعادة صياغة مسرح الصراع اليمني

لا ينفصل هذا الاعتراف عن مساعي تطويق جماعة الحوثي خارج الجغرافيا اليمنية نفسها. فبدلاً من الاكتفاء بالردع العسكري البحري، يجري توسيع مسرح الضغط ليشمل القرن الإفريقي، بما يخلق طوقاً متعدد الطبقات حول البحر الأحمر. وجود نقاط ارتكاز في إريتريا وأرض الصومال، مدعومة إماراتياً، يتيح مراقبة أكثر كثافة لحركة السلاح والتهريب، ويُدخل الحوثيين في بيئة استراتيجية أشد تعقيداً.

3. إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية حول السعودية

يساهم هذا التوجه في إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي حول السعودية، لا من باب المواجهة المباشرة، بل عبر إعادة توزيع مراكز الثقل في البحر الأحمر. الهلال الممتد من الإمارات إلى إريتريا ثم أرض الصومال يحدّ من التفرد السعودي التاريخي بإدارة هذا الفضاء، ويفرض معادلة جديدة قوامها تعددية الفاعلين وتداخل الأدوار الأمنية.

4. كسر مبدأ سيادة الدول الإفريقية واختبار هشاشة النظام القاري

الاعتراف بأرض الصومال لا يمسّ الصومال وحده، بل يضرب في عمق مبدأ سيادة الدول الإفريقية الذي شكّل أحد أعمدة النظام القاري منذ الاستقلال. هذه الخطوة تمثّل اختباراً متعمّداً لصلابة الاتحاد الإفريقي، وتفتح الباب أمام إعادة تدوير النزعات الانفصالية بوصفها أدوات جيوسياسية، لا مجرد أزمات داخلية.

5. أرض الصومال كمنصة استخبارية ولوجستية متعددة الوظائف

بحكم موقعها الجغرافي وغياب الرقابة الدولية الصارمة، تتحوّل أرض الصومال إلى منصة مثالية للعمليات الاستخبارية واللوجستية. الدور هنا لا يقتصر على الرصد العسكري، بل يشمل مراقبة النفوذ الإيراني والتركي، متابعة النشاط الصيني المتنامي في الموانئ الإفريقية، والتحكم في شبكات الهجرة والتهريب، ما يمنح إسرائيل وحلفاءها أدوات تأثير غير مرئية لكنها شديدة الفاعلية.

6. رسالة ضغط استراتيجية لمصر عبر البوابة الجنوبية

لا يمكن فصل باب المندب عن أمن قناة السويس. ومن هذا المنظور، يحمل الاعتراف رسالة سياسية غير مباشرة لمصر مفادها أن أمن الملاحة لم يعد محصوراً في شمال البحر الأحمر، بل بات يمتد إلى جنوبه الإفريقي. هذه الرسالة لا تعني بالضرورة صداماً، لكنها تعيد تعريف قواعد النفوذ البحري في الإقليم.

7. تحجيم أدوار إقليمية منافسة في القرن الإفريقي

يساهم الاعتراف في إضعاف الحكومة الصومالية المركزية، ما ينعكس مباشرة على أدوار قوى إقليمية مثل تركيا وقطر، اللتين استثمرتا طويلاً في الصومال عبر بوابة الشرعية الدولية. تقويض هذه الشرعية يغيّر قواعد اللعبة، ويحوّل القرن الإفريقي إلى ساحة تنافس مفتوح تُدار فيها الصراعات بأدوات غير تقليدية.

8. فك العزلة الدولية وبناء هوامش مناورة بديلة

في ظل تصاعد الضغوط الدولية، يوفّر التغلغل في إفريقيا لإسرائيل مساحة حركة أقل كلفة سياسياً وأضعف رقابة قانونية. الاعتراف بأرض الصومال يأتي ضمن استراتيجية أوسع لـ تنويع ساحات النفوذ، وتجاوز القيود المفروضة في الساحات الغربية التقليدية.

9. التهيئة الجيوسياسية لمرحلة ما بعد حرب غزة

أخيراً، لا يمكن عزل هذا الاعتراف عن التفكير الاستراتيجي طويل الأمد حول مستقبل غزة. حتى إن لم يكن التهجير مخططاً له بشكل مباشر أو فوري، فإن تهيئة بيئات جيوسياسية قابلة لاستيعاب سيناريوهات ديموغرافية بديلة يبقى جزءاً من الحسابات الإسرائيلية الأبعد مدى.

"الاعتراف الإسرائيلي" بأرض الصومال ليس خطوة دبلوماسية تقليدية، بل أداة لإعادة هندسة المجال الجيوسياسي للبحر الأحمر والقرن الإفريقي. وهو يعكس انتقال الصراع من إدارة الأزمات إلى إدارة الجغرافيا السياسية نفسها، بما يخدم مصالح أمنية واستراتيجية تتجاوز اللحظة الراهنة.