في الوقت الذي ما زال فيه الغزيون يترقبون مصير الهدنة والمرحلة الثانية، كانت الخرائط تُفتح في غرف مغلقة، لا في غزة ولا حتى في تل أبيب، بل في واشنطن والدوحة ومراكز القيادة الأمريكية.
ما كان يُقدَّم للرأي العام بوصفه «أفكارًا قيد النقاش» بات اليوم أقرب إلى خطة تشغيلية جاهزة… تبدأ من الجنوب، ولا تنتظر اكتمال المشهد السياسي.
وفق معلومات متقاطعة حصلت عليها نيويورك تايمز من عرض قدّمته القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، فإن الجهود لتشكيل قوة الاستقرار الدولية دخلت مرحلة التنفيذ العملي. الجيش الأمريكي يستعد لعقد اجتماعَين حاسمَين: الأول في 16 ديسمبر بالدوحة مع جنرال برتبة لواء، والثاني في يناير المقبل مع جنرال برتبة فريق، بمشاركة عسكرية دولية واسعة.
اللافت ليس الاجتماعات بحد ذاتها، بل ما كُشف عن طبيعة القوة ومهامها.
العرض التقديمي الذي اطّلع عليه مسؤولون عسكريون من عشرات الدول يوضح أن القوة — المؤلفة من نحو 8000 جندي — ستُنشر في مناطق داخل القطاع ما تزال تحت السيطرة الإسرائيلية. البداية من رفح، جنوب القطاع، باعتبارها نقطة ارتكاز تمهّد لانسحابات إسرائيلية لاحقة.
في موازاة ذلك، تتضمن الخطة تدريب أكثر من 4000 شرطي فلسطيني، في محاولة لبناء ذراع أمنية محلية تعمل تحت سقف القوة الدولية.
القوة، بحسب الوثيقة، ستتولى «تأمين الأراضي والطرق والمواقع الثابتة لتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية»، لكنها ستعمل أيضًا على «منع أي عرقلة من جانب العدو»، وهو توصيف فضفاض يفتح الباب على تأويلات أمنية واسعة.
الأخطر أن الوثيقة تنص صراحة على أن القوة ستضع «شروطًا لنزع سلاح حماس»، دون أن تحدد الآلية أو الإطار الزمني أو الجهة المخوّلة بفرض هذه الشروط، ما يعني عمليًا أن ملف السلاح يُدار أمنيًا قبل أن يُحسم سياسيًا.
سياسيًا، كان من المفترض أن تعلن إدارة ترمب عن «مجلس السلام» قبل عيد الميلاد، لكن الإعلان أُجِّل — وفق دبلوماسيين غربيين — إلى مطلع 2026، في إشارة إلى أن الخلافات حول القيادة والتمثيل لم تُحسم بعد.
ومع ذلك، تتقدم البنية التنفيذية بصمت: لجنة تنفيذية يُتوقع أن تضم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مع تداول أسماء مثل توني بلير — رغم الجدل حوله — واسم جديد يعود إلى الواجهة: نيكولاي ملادينوف.
ملادينوف، المبعوث الأممي السابق، يُبحث تعيينه كحلقة وصل مع اللجنة الفلسطينية، وقد التقى الأسبوع الماضي بأرييه لايتستون، أحد مهندسي خطة ترمب لغزة، في مؤشر على أن قنوات التنسيق مع الفلسطينيين تُرسم عبر شخصيات دولية لا عبر أطر تمثيلية منتخبة.