في مستشفى مزدحم بالأنين، يجلس الطفل محمود سعد الله (11 عامًا)، على كرسيه المتحرك دون قدميه ويده اليسرى، التي فقدها في قصف إسرائيلي استهدف منزلًا مجاورًا لمنزل عائلته في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة.
ويعيش مبتورو الأطراف، جراء حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، أوضاعًا صحية صادمة، في ظل عدم توفر الإمكانات الطبية اللازمة لمتابعة حالاتهم، ومنعهم من السفر للخارج لتركيب أطراف صناعية لهم.
يقول محمود": "أصبح هذا الكرسي ملاصقًا لي أينما ذهبت وكأنه بات بديلًا عن قدماي".
ويضيف "كثيرًا ما أتساءل لماذا حدث ذلك وهل سأستطيع المشي مجددًا بتركيب طرفين، أم أن حياتي ستبقى معلقة رهينة هذا الكرسي، أنتظر من يمر في الطريق ليساعدني على قضاء أموري".
"لا يوجد تأقلم مع الوضع الحالي، أنا فقدت ثلاثة أطراف مش واحد، بنتظر بفارغ الصبر إجلاء طبي للخارج، لتركيب أطراف صناعية أقدر من خلالها ممارسة حياتي بشكل طبيعي دون الاعتماد على حدا غيري".
ويناشد سعد الله بضرورة الضغط من قبل الوسطاء على الاحتلال لفتح معبر رفح أمام حركة المرضى للعلاج خارج القطاع قبل فوات الأوان.
معاناة مريرة
ولا يختلف الأمر عند الطفل محمود العجور، والذي لخصت والدته وجعه بعد بتر يده بقولها: "دائمًا ما يسألني كيف بدي أحضنك بدون إيد؟".
وتضيف الأم في حديثها "، "يتوقف لساني عن النطق بعد سؤاله وأحاول إخفاء دموعي عنه، لأجيبه أنا بحضنك وبضمك إلي، ايدك ما رح تكون مانع إني ما أحضنك".
وتتابع "لا يزال طفلي صغيرًا على تقبل بتر يده، ينظر حوله ويرى الصغار بأيديهم، فتشتعل فيه نار الألم ويدخل في موجة بكاء مريرة، أقف عاجزة أمامها، وأتمنى وقتها لو كان البتر ليدي أنا وليس يده".
وتناشد الأم الجميع وكل من يستطيع إجلاء ابنها وجرحى الحرب بالضغط على الاحتلال، لفتح معبر رفح بأسرع وقت قبل أن يموت طفلها قهرًا على فقده يده.
وحسب وزراة الصحة بغزة فإن 6000 حالة بتر بحاجة إلى برامج تأهيل عاجلة طويلة الأمد، 25% من إجمالي عددهم هم من الأطفال الذين يواجهون إعاقات دائمة في سن مُبكرة.
وأضافت أن معاناة إنسانية عميقة يعيشها آلاف الجرحى وعائلاتهم تُبرز الحاجة الملحة إلى خدمات التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.
ودعت الصحة المنظمات الدولية المعنية إلى توجيه دائرة الاهتمام العاجل للجرحى مبتوري الأطراف في غزة وتعزيز فرص الرعاية التخصصية والتأهيلية.
ارتفاع عدد الحالات
مدير مستشفى الشيخ حمد للتأهيل والأطراف الصناعية أحمد نعيم، يؤكد أن حرب الإبادة رفعت نسبة حالات البتر بأكثر من 225%.
ويقول نعيم في حديث صحفي": "قبل الحرب كنا نتعامل مع نحو ألفي حالة، أما الآن فقد تجاوز العدد 6500 حالة جديدة".
وكان مستشفى حمد شمالي قطاع غزة عاد للعمل بالحد الأدنى، بعد إعادة تأهيل بعض أقسامه الرئيسة التي دمرتها آلة الحرب.
ويشدد نعيم على أن القدرة الإنتاجية الحالية لا تسمح بتصنيع أكثر من 150 طرفًا صناعيًا سنويًا، ما يعني أن تلبية الاحتياجات القائمة قد تستغرق أكثر من عقدين، إذا لم تتحسن الظروف.