سيناريوهات "نزع سلاح غزة"

نشر 18 نوفمبر 2025 | 17:35

قرار مجلس الأمن 2803، والذى يطرح فكرة نزع سلاح غزة ودمج القطاع فى ترتيبات أمنية جديدة، يبدو فى ظاهره محاولة لوضع "إطار دولى لما عجز الإحتلال عن تحقيقه بالقوة العسكرية خلال أكثر من عامين من الحرب.

لكن عند التدقيق، يصبح واضحًا أن فكرة النزع الكامل للسلاح بالقوة غير قابلة للتحقيق واقعيًا، ولا توجد أى دولة أو قوة دولية مستعدة لتكرار ما فشل فيه الإحتلال، أو أن تتحمل كلفة مواجهة شبكة مقاومة متجذرة داخل بنية المجتمع.

وعليه، فإن السيناريوهات المتوقعة تميل إلى الهندسة السياسية والأمنية والاقتصادية بدلًا من المواجهة المباشرة.

السيناريو الأول: الضغط عبر ملف إعادة الإعمار

هذا السيناريو يرتكز على تحويل إعادة إعمار غزة إلى أداة ابتزاز سياسى:

· ربط الأموال بتغيير فى "الحوكمة" داخل غزة.

· اشتراط ترتيبات أمنية على الحدود والمعابر.

· تحويل المساعدات إلى ورقة ضغط دائمة لإضعاف القدرة العسكرية للفصائل.

· وضع آليات رقابة دولية على حركة المواد الداخلة، وخصوصًا مواد البناء ذات الاستخدام المزدوج.

فى هذا السيناريو، تتم محاولة تفكيك البيئة الحاضنة للمقاومة بدون مواجهة عسكرية مباشرة.

السيناريو الثانى: تقسيم غزة إلى "منطقة خضراء" وأخرى خارجة عن السيطرة

وفق هذا التصور:

· تنشأ منطقة "مسيطر عليها دوليًا/إقليميًا" تضم المؤسسات المدنية والمعابر وربما جزءًا من الساحل.

· تبقى مناطق أخرى تحت سيطرة الفصائل المسلحة، مع بقاء الحصار عليها بشكل أكثر تشددًا.

· يتحول القطاع فعليًا إلى كيانين: أحدهما قابل للتعامل معه دوليًا، وآخر يعيش فى ظروف أكثر قسوة بهدف الضغط الداخلى على الفصائل.

هذا يشبه نماذج ظهرت فى العراق وأفغانستان ولبنان (الخط الأزرق/المناطق المنزوعة السلاح)، وهو سيناريو لا يمكن استبعاده.

السيناريو الثالث: "النزع التدريجى للسلاح" عبر هندسة سلطة محلية جديدة

هنا يتم الرهان على:

· خلق نخبة محلية مُعتمِدة على الدعم الخارجى.

· منحها شرعية مالية وإدارية عبر ملف الإغاثة والإعمار.

· بناء قوة أمنية جديدة تُقدَّم كـ"شرطة مدنية" لكنها عمليًا أداة لاحتواء المقاومة.

· دمج هذه القوة مستقبلًا ضمن ترتيبات "أمن إقليمى" تشمل مصر والولايات المتحدة وبعض الدول العربية.

هذا السيناريو لا يهدف إلى القضاء على السلاح بالكامل، بل إعادة عزله وتقليصه.

السيناريو الرابع: تحويل غزة إلى منطقة "أمن مشترك" تحت مراقبة دولية

يتضمن:

· نشر مراقبين دوليين غير مسلحين.

· استخدام طائرات مراقبة بدون طيار تحت إدارة الأمم المتحدة أو حلف إقليمى.

· فرض نظام مراقبة على الأنفاق والحدود.

· ربط أى نشاط عسكرى بعقوبات دولية فورية.

يهدف هذا السيناريو إلى إدارة السلاح وليس نزعه.

السيناريو الخامس: استمرار الوضع الراهن ولكن بشكل "مُحسَّن"

هذا قد يكون الأقرب للواقع:

· تهدئة طويلة الأمد بدون اتفاق سياسى نهائى.

· بقاء الفصائل محتفظة بسلاحها.

· إدخال مساعدات وإعادة إعمار محدودة.

· رقابة مشددة على المواد “الحساسة”.

· تعاون أمنى غير مباشر عبر وسطاء.

بمعنى آخر: تجميد الصراع وليس حله.

السيناريو السادس: انهيار كامل للترتيبات وعودة الفوضى

إذا فشلت كل الجهود، قد يحدث:

· تفكك مؤسسات الحكم فى غزة.

· ظهور جماعات مسلحة جديدة.

· تدخلات إقليمية غير مباشرة.

· موجات نزوح داخلية أو نحو سيناء (رغم الرفض المصرى القاطع).

هذا السيناريو كارثى، لكنه وارد إذا حدث فراغ سياسى وأمنى.

السيناريو السابع: عودة الاحتلال المباشر ولكن "جزئيًا"

رغم أنه مكلف، قد تلجأ إسرائيل إلى:

· السيطرة على ممرات محددة (الشريط الحدودى، الساحل).

· إنشاء قواعد ثابتة داخل غزة.

· ترك إدارة الشؤون المدنية لجهات محلية أو إقليمية.

هذا يعيد غزة إلى نموذج "احتلال تقنى" بدل الاحتلال التقليدى.

القرار 2803 لا يعبر عن قدرة دولية على فرض نزع السلاح، بل عن محاولة لتدويل المشكلة وتحويلها إلى ملف متعدد الأطراف، يتم التعامل معه عبر السياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار لا عبر القوة.

 السيناريو الأقرب للواقع هو مزيج من الضغوط الاقتصادية، والتقسيم الإدارى، وترتيبات أمنية غير مباشرة، مع بقاء السلاح كجزء من معادلة قوة لا يمكن إلغاؤها بسهولة.

مهما تعددت القرارات، وتكاثفت الضغوط، وتنوعت المبادرات الرامية إلى إعادة صياغة الواقع فى غزة، يبقى الثابت أن الشعب الفلسطينى لم يرضخ يومًا، ولن يقبل التنازل عن حقوقه المشروعة. فالإرادة التى صمدت أمام الحصار والحرب والدمار لن تذوب أمام نصوص دبلوماسية أو إجراءات إدارية. وما عجز عنه الاحتلال وفشل فى تحقيقه خلال عامين من العمليات العسكرية، لن يتمكن قرار صادر عن الأمم المتحدة من فرضه أو تحويله إلى واقع.

فالقوة على الأرض، والإيمان بالحق، وصلابة المجتمع، جميعها عوامل تظل أقوى من أى صيغة مكتوبة لا تحظى بقبول أصحاب الأرض أنفسهم.