يقدّم مشروع القرار الذى طرحته الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن تصورًا لإدارة انتقالية لغزة، يقوم على إشراف دولى واسع، وتحديد دور فلسطينى تقنى محدود، وتأجيل الملفات السيادية إلى مرحلة لاحقة.
ورغم صياغة المشروع فى إطار دولى قُطري–إقليمى، إلا أن جوهره يعيد ترتيب المشهد بما يجعل استعادة الفلسطينيين لدورهم السياسى مرهونة بشروط أمنية وإصلاحية، ويمنح لإسرائيل موقعًا مؤثّرًا فى التنفيذ، على نحو يصعب قبوله فلسطينيًا وعربيًا، خاصة أنه لا يراعى بوضوح الحقوق المشروعة فى تقرير المصير، ويتعامل مع إسرائيل وكأنها طرف صاحب صلاحية، وليست قوة احتلال بموجب القانون الدولى.
*١) إدارة دولية ذات صلاحيات تنفيذية شاملة*
يقترح المشروع إنشاء “مجلس سلام” يتمتع بصفة قانونية دولية وصلاحيات تنفيذية وموازنات مالية وإدارية لإدارة غزة.
هذه الصلاحيات لا تضعه كوسيط أو مراقب، بل كجهة حاكمة انتقالية فى موقع سلطة فعلية، وهو ما يجعل إدارة غزة خلال هذه المرحلة خارج الإطار الوطنى الفلسطينى.
هذا النموذج، من حيث طبيعته وتركيبه، يتجاوز فكرة الدعم الدولى إلى شكل من أشكال الوصاية المؤقتة.
*٢) استبعاد انتقال سياسى فلسطينى فورى*
المشروع يقصر الدور الفلسطينى على لجنة تكنوقراطية "غير سياسية" تتولى الشؤون اليومية دون تفويض سيادى.
هذه الصياغة تحرم الفلسطينيين من ممارسة حقهم السياسى خلال المرحلة الانتقالية، ما يُصعّب قبولها شعبياً ومؤسساتياً، لأنها تفصل بين الإدارة والخيار السياسى، وتستبعد الوظيفة التمثيلية الوطنية.
*٣) تأجيل دور السلطة الفلسطينية وربطه بشروط خارجية*
تأجيل إشراك السلطة حتى نهاية 2027 وربطه بإصلاحات تُحدَّد خارجيًا يعنى عمليًا تعليق السيادة الفلسطينية إلى أجل غير معلوم.
هذا الشرط لا يضع معيارًا متفقًا عليه وطنيًا، ولا يقدّم ضمانة للتمثيل الفلسطينى بعد المرحلة الانتقالية، مما يجعله محل تحفظ شديد من جانب الفلسطينيين والدول العربية المعنية بالقضية.
*٤) نزع السلاح كأساس للمرحلة الانتقالية*
يعطى المشروع أولوية قصوى لنزع السلاح ومنع إعادة التسلح، مع تفويض للقوة الدولية باستخدام "جميع الوسائل الضرورية". ورغم أن المجتمع الدولى يدعو دائمًا إلى نزع السلاح، فإن تقديمه على أى أفق سياسى أو سيادى، يشكّل ترتيبًا يصعب توافقه مع التصور الفلسطينى للحقوق الوطنية، ويحوّل المسار السياسى إلى مكافأة مؤجلة مشروطة.
*٥) إدارة الأمن والحركة والمعابر بإشراف دولى وتنسيق إسرائيلى–مصرى*
المشروع يضع الأمن، والحدود، والمعابر، والمساعدات تحت إدارة مشتركة بين المجلس الدولى والقوة الدولية بالتنسيق مع إسرائيل ومصر.
عمليًا، هذا يمنح إسرائيل صلاحية تأثير مركزية فى كل خطوة تنفيذية، رغم أنها قوة احتلال وفق القانون الدولى، ما يجعل الترتيب أقرب إلى إعطاء إسرائيل "حق اعتراض غير معلن" على كل ما يجرى. هذه النقطة تحديدًا تجعل المشروع صعب القبول فلسطينياً وعربياً، لأنها تُشرعن عمليًا استمرار الدور الإسرائيلى بدل تقليصه.
*٦) تفويض عملياتى واسع للقوة الدولية*
التفويض باستخدام "جميع الوسائل الضرورية" يضع القوة الدولية فى موقع قادر على التدخل العسكرى المباشر.
هذا يجعل البيئة الأمنية خلال المرحلة الانتقالية أقرب إلى إطار ضبط وسيطرة دولى منه إلى مرحلة انتقال سلمى تمهّد لسيادة وطنية.
*٧) تشكيل كيانات تنفيذية جديدة فوق المؤسسات الفلسطينية*
المجلس مُخوَّل بإنشاء هياكل تشغيلية ذات سلطة تنفيذية، ما يضع المؤسسات الفلسطينية فى مرتبة ثانوية، ويخلق واقعًا إداريًا مستبدلًا لا يدعم قدرة الفلسطينيين على بناء مؤسسات سيادية لاحقًا.
*٨) تمويل مشروط عبر مانحين وصندوق تحت إشراف دولى*
الآلية التمويلية عبر صندوق ائتمان وبنك دولى تجعل إعادة الإعمار مرهونة بالمعايير السياسية والرقابية للمانحين.
غياب ضمانات تمويل دولى ملزم يعنى أن الإغاثة والإعمار سيكونان أدوات ضغط لا أدوات استحقاق.
*٩) إمكانية استبعاد أونروا ووكالات أخرى*
النص يسمح باستبعاد أى جهة "يثبت سوء استخدام للمساعدات لديها".
وبالنظر للجدل السياسى حول أونروا، يمكن استخدام هذه الصياغة لإقصائها.
استبعاد مؤسسة تحمل تفويضًا قانونيًا دوليًا تجاه اللاجئين الفلسطينيين يعمّق القلق بشأن مستقبل قضايا اللاجئين وحقوقهم.
*١٠) نفوذ إسرائيلى فعلى حتى دون فيتو رسمى*
التنسيق الأمنى والعملياتى يجعل لإسرائيل تأثيرًا مباشرًا على مفاصل التنفيذ، وهو ما يُبقى يد الاحتلال على غزة بصورة غير مباشرة، بل يمنحها وضعًا شبيهًا بوضع "الطرف الوصى"، وهو ما يتعارض مع القانون الدولى ويجعل المشروع غير مقبول فلسطينياً، لكونه يعيد إنتاج الاحتلال بصيغة دولية.
*١١) غياب إطار زمنى ملزم لمسار الدولة*
الإشارة لمسار نحو دولة فلسطينية جاءت عامة دون ضمانات أو أطر زمنية، ما يجعل الأفق السياسى مفتوحًا وغير مضمون، ويجعل الفلسطينيين أمام ترتيب انتقالى طويل تحت وصاية خارجية دون أفق سيادى واضح.
*الخلاصة أن المقترح يكرّس نموذج وصاية دولية – أمنية على غزة بصلاحيات شاملة، مع مشاركة فلسطينية إدارية محدودة، ونزع سلاح كامل، وإدارة موارد وإعمار وملفات أمنية عبر المانحين والمجلس الدولى.*
*هذا النموذج، بصيغته الحالية، يضعف الحق الفلسطينى فى تقرير المصير، ويُبقى لإسرائيل موقعًا متقدمًا فى هندسة المرحلة المقبلة، ويُعيد صياغة غزة ضمن منظومة سيطرة خارجية مؤسسية، ما يجعله شديد الصعوبة فى القبول فلسطينياً وعربياً، خصوصًا أنه لا يستجيب للحد الأدنى من الحقوق الوطنية، ويتعامل مع إسرائيل بوصفها طرفًا منظِّمًا لا سلطة احتلال ملزمة بالانسحاب.*