فى تصريحٍ لافت، قال رئيس مجلس الشيوخ المصرى إن افتتاح المتحف الكبير جاء تجسيدًا للرؤية الثاقبة للرئيس السيسى فى بناء دولة عصرية.
تبدو العبارة بليغة فى ظاهرها، لكنها تثير تساؤلًا جوهريًا:
هل يكفى افتتاح متحف، مهما بلغت فخامته، ليكون دليلًا على بناء الدولة الحديثة؟
وهل العصرية تُقاس بعدد التماثيل البرونزية أم بمدى حيوية المؤسسات؟
الحداثة ليست متحفًا بل منظومة عقل
الدولة العصرية ليست مبنىً ولا احتفالًا، بل نسق فكرى ومؤسسى يقوم على سيادة القانون، ومشاركة المواطنين، واحترام العقل والنقد.
يمكن للمتحف أن يثير الفخر بالهوية، لكنه لا يُصلح جهاز الدولة، ولا يُعالج البيروقراطية، ولا يضمن عدالة القضاء.
الحداثة تُقاس بمدى احترام الدولة لإنسانها، لا بمدى إتقانها لإضاءة تماثيل أجداده.
الماضى كأداة للشرعية
تلجأ كثير من الأنظمة فى العالم، لا فى مصر وحدها، إلى استدعاء التاريخ العريق لتبرير الحاضر السياسى.
الخطاب الرسمى يوحى بأن عظمة الماضى يمكن أن تُغنى عن ضعف الحاضر.
غير أن تحويل التراث إلى أيديولوجيا تمجيدية يجعل الماضى حائطًا يحجب المستقبل.
وحين يُرفع شعار "نحن أبناء الفراعنة"، دون أن يصاحبه سؤال "ماذا أنجزنا نحن؟"، يصبح الماضى ستارًا يُخفى فراغ الحاضر.
الهوية الحضارية أم التحديث المؤسسى؟
ليس فى الاعتزاز بالميراث الفرعونى ما يُنتقد، فمصر تمتلك واحدًا من أعظم الأرصدة الثقافية فى التاريخ.
لكن الحداثة المؤسسية لا تُقاس بعدد القطع الأثرية، بل بفاعلية مؤسسات الدولة واستقلال القضاء وحرية المعرفة.
المتحف، مهما بلغ من الجمال، يبقى رمزًا ثقافيًا لا سياسيًا، ما لم يُدمج فى مشروع تعليمى وفكرى يربط الهوية بالنقد والبحث العلمى.
المفارقة الفرعونية
المفارقة أن الخطاب الذى يحتفى بالفراعنة كثيرًا ما يعيد إنتاج الفكرة الفرعونية نفسها:
تمجيد الحاكم، تقديس الماضى، واحتقار النقد.
فإذا كان الفرعون يملك هرمه، فإن الهرم لم يكن ديمقراطية، بل نظامًا للسلطة المطلقة.
وحين يُستعاد هذا الرمز فى ثوب حديث، يصبح المتحف امتدادًا للمعبد، والاحتفال امتدادًا للطاعة، والرمز بديلًا عن الفعل.
من استدعاء الماضى إلى صناعة المستقبل
المطلوب ليس القطيعة مع التاريخ، بل تحويله من أداة تمجيد إلى أداة تفكير.
يمكن للمتحف أن يكون مدرسة لتعليم التفكير النقدى، ومركزًا للحوار حول معنى الهوية، لا مجرد منصة للاحتفال.
وحين يرتبط التراث بالعلم والمعرفة، يصبح جزءًا من مشروع النهضة، لا من مسرح العظمة الشكلية.
من المتحف إلى المختبر
المتحف مكان للماضى، أما الدولة الحديثة فهى مختبرٌ للمستقبل.
نحتاج إلى مؤسسات تفكر كما يفكر العلماء: بالتجربة، بالشفافية، وبالخطأ والتصحيح.
الحداثة ليست عودة إلى الفراعنة، بل تحرر من الفكرة الفرعونية نفسها:
من عبادة الفرد إلى سيادة القانون، ومن تمجيد الأسلاف إلى نقد الذات، ومن التاريخ المتحجر إلى المستقبل المفتوح.
يمكن للمتحف الكبير أن يكون إنجازًا معماريًا وثقافيًا يُحترم، لكنه لا يكفى ليُقال إن الدولة أصبحت عصرية.
الحداثة ليست معروضًا زجاجيًا، بل ممارسة يومية للعقل والنزاهة والحرية.
وحين يُستدعى الماضى لتجميل الحاضر، يظل المتحف مرآةً تُظهر ما نخشاه:
أننا نعيش بين رموز العظمة القديمة، بينما لم نصنع بعد أدوات العظمة الجديدة.