انعقدت قمة شرم الشيخ للسلام وسط غبار الحرب وأنين الركام.
خرجت ببيان عمومي متخم بالكلمات، فقير في الأفعال...
لم تقدّم القمة خريطة طريق ولا خطة إعمار، بل اكتفت بالدعوة إلى التهدئة وإدخال المساعدات...
بدا وكأنها محاولة لإدارة الأزمة أكثر من كونها بداية لمسار جديد، ومع ذلكيظل السؤال حاضرًا: ماذا بعد وقف إطلاق النار؟
أكثر من سيناريو متوقع، ربما هذه أقربها للواقع ومن السياق التاريخي:
المماطلة: السياسة المفضلة
السيناريو الأقرب هو المماطلة...
"إسرائيل" تجيد لعبة الوقت، تسمح ببعض المساعدات وتمنع أي تغيير جذري. المجتمع الدولي بدوره يكتفي بالمراقبة، وتبقى غزة معلّقة بين هدنة غير مستقرة ووعود معلّقة.
هكذا جرى بعد حرب 2014 حين تعهّد المانحون بمليارات، ولم يصل منها إلا القليل.
المساعدات: حياة معلّقة
قد يقتصر الأمر على شريان حياة قصير...
الغذاء والدواء يدخلان، وربما أموال قطرية أو مصرية لتسكين بعض الأزمات، لكن بلا إعمار حقيقي ولا رفع حصار...
غزة تبقى على قيد الحياة، لكنها في غرفة إنعاش طويلة.
الانفجار: الغضب المؤجل
هدنة بلا أفق سياسي تساوي غضبًا مؤجلًا...
أي شرارة، اغتيال أو اجتياح أو انهيار الوضع الإنساني، قد تعيد الحرب إلى المربع الأول...
غزة خبرت هذا السيناريو مرارًا، من 2008 حتى 2021، وما زال ماثلًا بقوة.
الانفراج السياسي: حلم هش
قد يحاول بعض الوسطاء تحويل الهدنة إلى فرصة: إعمار تحت إشراف دولي، تحسين الكهرباء والمياه، أو ترتيبات أمنية بوساطة مصرية أو قطرية...
لكن هذا يتطلب توافقًا فلسطينيًا داخليًا وضغطًا دوليًا جادًا على إسرائيل، وهو ما لم يتحقق من قبل. لذا يبقى الانفراج السياسي أشبه بحلم هش.
التدويل: وصاية أم حماية؟
تطفو فكرة التدويل عبر مجلس الأمن أو الأمم المتحدة...
بعثة لمراقبة وقف النار، أو آلية لإعادة الإعمار...
لكن الفيتو الأمريكي جاهز، والموقف الإسرائيلي رافض، وحماس ترى في الأمر وصاية...
وحتى لو تحقق، فلن يكون أكثر من إدارة محدودة للمساعدات، لا حماية للمدنيين ولا حل جذري.
الوسطاء والضامنون
هنا يبرز دور الوسطاء: مصر تسعى لترسيخ موقعها كوسيط وضامن للتهدئة، قطر تتحرك عبر التمويل والمساعدات، تركيا تحاول المزاوجة بين الدبلوماسية والدعم السياسي، والأمم المتحدة تدير خطوط المساعدات...
لكن التجربة أثبتت أن كل هؤلاء، مهما تنوعت أدوارهم، ليسوا ضمانة كافية. الاتفاقات السابقة انهارت رغم وجود وسطاء وضامنين.
الضامن الحقيقي
من المهم القول إن استعراض هذه السيناريوهات – من المماطلة إلى المساعدات المحدودة، ومن خطر الانفجار إلى حلم الانفراج، وحتى التدويل المقيّد – ليس تعبيرًا عن سلبية أو نظرة تشاؤمية، خاصة بالنسبة لأهل غزة الذين دفعوا الثمن الأكبر، بل هو محاولة لقراءة الواقع بكل تعقيداته، بعيدًا عن الأوهام أو التبسيط.
الفهم الواضح للخيارات المطروحة يساعد على الاستعداد لكل احتمال، والتفكير في كيفية التعامل معه سياسيًا وشعبيًا وإنسانيًا، بدل أن نفاجأ بما قد يأتي.
الضامن الوحيد إذن ليس وثيقة عمومية تصدر من مؤتمر، ولا توقيعًا على ورقة تفاهم، ولا وجود وسيط أو ضامن خارجي. الضامن الحقيقي هو ثبات وصمود الشعب الفلسطيني، وتمسكه بحقه في الحرية والحياة والعودة. هذا الصمود وحده هو الذي أجبر العالم على الالتفات لغزة مرارًا، وهو وحده الذي يمكن أن يفتح الباب نحو مستقبل مختلف.