السابع من أكتوبر.. حين تحوّلت فلسطين إلى بوصلة الثورة العالمية

نشر 14 أكتوبر 2025 | 11:10

يقدّم الكاتب اللبناني عماد الحطبة قراءة فكرية وسياسية معمّقة لأحداث السابع من أكتوبر، معتبراً أن ما جرى لم يكن مجرّد عملية عسكرية أو ردّ فعل ميداني، بل تحوّل تاريخي في وعي الشعوب المقهورة وصراعها مع منظومة الاستعمار العالمي.

يؤكد الحطبة في مقاله المنشور على موقع الميادين بعنوان “السابع من أكتوبر وعالمية الثورة”، أنه منذ البداية فهم ما جرى في السابع من أكتوبر لا يمكن عزله عن سياق الصراع العالمي بين الشعوب المقهورة والاستعمار الإمبريالي، محذراً من تحويل مرحلة التحرر الوطني إلى مسألة “ذاتية أو قومية ضيقة” تفصلها عن النضال الأممي ضد الرأسمالية الناهبة لثروات الأمم.

يقول الكاتب: “إن العلاقة الأبدية والمطلقة بين المستعمرين والشعوب المقهورة هي علاقة تناقض، وهذا هو التناقض الرئيس الذي إذا أمسكنا بزمامه استطعنا حل باقي التناقضات وبسرعة.”

من فهم الصراع إلى لحظة الانفجار

ويرى الحطبة أن نضال الشعب الفلسطيني الممتد منذ أكثر من قرن راكم خبراتٍ وتجاربَ عميقة، سواء على مستوى المقاومة الميدانية أو الوعي النظري بطبيعة الصراع.

ومن هذا المنظور، يصف الكاتب لحظة السابع من أكتوبر 2023 بأنها تتويج لتراكم هذا الوعي الجمعي، إذ تحوّلت من معركة حدودية محدودة إلى ثورة شعبية شاملة فجّرها الشعب الفلسطيني بكل فئاته، لا الفصائل وحدها.

ويضيف: “نختلف على من اتخذ قرار الهجوم يوم السابع من أكتوبر، ونغفل في رواية اللحظة الأولى دور الجماهير... المجموعات الفدائية التي اقتحمت السور الواقي تبعتها مجموعات من المواطنين العزل الذين اندفعوا نحو المستوطنات وشاركوا في المعركة.”

بهذا المعنى، يعتبر الحطبة أن اللحظة لم تكن خطة تنظيمية بحتة، بل انفجاراً تلقائياً للجماهير المقهورة التي وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام عدوّها الاستعماري المباشر، بعد عقودٍ من القهر والحرمان والحصار.

الوعي الشعبي.. الشرارة الحقيقية للطوفان

وينتقد الكاتب الرواية الاستعمارية التي تصف ما جرى بأنه عمل “إرهابي” نفذته تنظيمات دينية متطرفة مثل “حماس” و“الجهاد الإسلامي”، موضحًا أن هذه الرواية تهدف إلى شيطنة المقاومة وتبرير الإبادة الجماعية

ويقول: “لقد قدمت الدوائر الاستعمارية روايتها عن الأحداث، وروّج لها مثقفون وقعوا في براثنها. غير أن من صمد ورفض التهجير وتمسك بالأرض هو الشعب الفلسطيني بكل فئاته.”

من وجهة نظر الحطبة، فإن الوعي الشعبي هو الذي فجّر لحظة الطوفان، وهو ذاته الذي صمد في وجه الرد الصهيوني الوحشي، مؤكدًا أن السابع من أكتوبر “لم يكن عملية عسكرية عابرة استدعت رداً من العدو، بل كان ثورةً حقيقية عبّر فيها الشعب الفلسطيني عن وعيه الجمعي بمرحلة التحرر الوطني”.

السابع من أكتوبر.. لحظة تاريخية كونية

ويُقدّم الحطبة قراءة فلسفية عميقة، يربط فيها بين ما جرى في غزة وبين تاريخ الثورات الكبرى في العالم، مثل “كومونة باريس” في القرن التاسع عشر، التي شكّلت نقطة تحوّل في الوعي الطبقي العالمي.

ويقول في هذا السياق: “لقد جاءت لحظة السابع من أكتوبر تتويجاً لتراكم الوعي بطبيعة التناقض بين المستعمرين والشعوب المقهورة... نستطيع القول إنها كانت ثورة حقيقية لا تقل في أثرها على تاريخ المنطقة عن أثر كومونة باريس في تاريخ أوروبا.”

بهذا التشبيه، يضع الكاتب ما حدث في غزة ضمن إطارٍ أممي شامل، بوصفه محطة فاصلة في تاريخ الصراع بين الإمبريالية العالمية وقوى التحرر، وليس مجرد حدث فلسطيني محدود.

الردّ الصهيوني.. تنفيذٌ لمخطط استعماري طويل الأمد

ويؤكد الحطبة أن الرد الإسرائيلي على عملية السابع من أكتوبر لم يكن ردّاً آنياً، بل تنفيذًا لمخطط استعماري جرى التحضير له لسنوات طويلة.

ويشير إلى معلومات استخبارية تتحدث عن “عملية البيجر في لبنان” التي أُعدّ لها منذ خمس سنوات، وعن تجنيد عملاء في إيران على مدى عقدٍ من الزمن. ويرى أن هذا التخطيط يعكس أزمة المشروع الاستعماري في فلسطين، الذي يعيش مأزقين متلازمين:

1. وجود الشعب الفلسطيني نفسه الذي يرفض الاندثار ويصرّ على حقوقه.

2. تنامي قوة المقاومة منذ انتصار أيار 2000 وصولاً إلى “سيف القدس” و“وحدة الساحات”.

وبحسب الحطبة، كان الاحتلال بحاجة إلى حربٍ شاملة للقضاء على المقاومة وتفكيك الوعي السياسي الفلسطيني، تمهيدًا لتحويل الشعب إلى “أقلية ثقافية بلا سيادة، كما حدث للسكان الأصليين في أميركا وأستراليا”.

وعي اللحظة وضرورتها

ويخلص الكاتب إلى أن السابع من أكتوبر لم يكن قراراً من قائد أو تنظيم، بل نتيجة حتمية لوعيٍ جمعيٍ أدرك أن لحظة الثورة قد حانت.

“في لحظة الذروة حدث الانفجار، لأن الوعي الجمعي الفلسطيني أدرك أن الأمس باكر جداً، والغد متأخر جداً، واليوم هو الوقت المناسب.”

ويرى أن هذه الثورة، رغم كلفتها الباهظة، أعادت تعريف الصراع الوجودي مع الاستعمار، وفتحت الباب أمام حركة تحرر أوسع تشمل الشعوب العربية والعالمية. فكل محاولة لعزل “طوفان الأقصى” عن سياق الثورات التحررية الأخرى، بحسب الحطبة، تفقد المعنى الحقيقي للحدث وتختزله في مجرد مواجهة عسكرية.

ثورة فلسطين والعالم الجديد

وفي ختام مقاله، يؤكد عماد الحطبة أن السابع من أكتوبر هو ثورة الشعب الفلسطيني بأسره، لا فعل فصيل بعينه. إنها الثورة التي فجّرت التناقض التاريخي بين المستعمِر والمستعمَر، وأعادت تعريف الوعي الجمعي للأمة.

يقول في جملته الأخيرة: “لا يمكن تحميل فرد أو جماعة مسؤولية لحظة السابع من أكتوبر، فهذه ثورة الشعب الفلسطيني كله، المدعومة من كل القوى الثورية العربية، سواء كان ذلك بالسلاح أو بالكلمة.”

بهذا الختام، يقدّم الحطبة رؤية تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، ليضع ما حدث ضمن حركة التاريخ الإنساني نحو التحرر، مؤكداً أن الطوفان ليس مجرد معركة، بل إعلانٌ عالميٌ عن ميلاد زمن جديد للثورات.