يجتمع غدًا في مصر قادة وزعماء عشرين دولة لحضور حفل توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بعد عامين كاملين من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي ارتُكبت بحق الشعب الفلسطيني، وسط صمت دولي وتواطؤ غربي مكشوف.
المفارقة الصارخة أن هذا الاتفاق يتم بين طرف يعتبر نفسه "أقوى دولة في المنطقة"، يمتلك أحدث الأسلحة وأكثرها فتكًا، ويحتكر ترسانة نووية بدعم غير محدود من الغرب، وبين مجموعة محاصَرة منذ سنوات، لا تملك سوى إمكانيات محدودة.
ومع ذلك، فقد صمد الشعب في غزة صمودًا أسطوريًا، وأثبت بعظمته أن الإرادة الشعبية، حتى وهي جريحة ومحاصَرة، قادرة على كسر غطرسة القوة العسكرية وإفشال حساباتها.
إنه مشهد يلخص جوهر الصراع: تفوق عسكري هائل بلا إنجاز، في مقابل شعب أعزل إلا من إيمانه وكرامته وصموده الأسطوري.
أما الغياب الأبرز عن هذا التجمع فهو بنيامين نتنياهو.
غيابه لا يمكن قراءته إلا في إطارين: إما أنه يعيش شعور الهزيمة الداخلية بعد فشله في تحقيق أي من أهدافه المعلنة - لا كسر لإرادة الشعب، ولا استعادة "الردع"، ولا إعادة الأسرى بالقوة، باستثناء ما تركه من قتل ودمار ووصمة عار على جبين دولته.
أو أن غيابه يعكس حقيقة أخرى: أنه مجرم حرب مطلوب للعدالة الدولية، كان من المفترض على مصر، كدولة موقعة على اتفاقيات جنيف وملتزمة بالقانون الدولي، أن تعتقله فور وصوله إلى أراضيها، لا أن تستقبله على البساط الأحمر.
هذا المشهد، بكل ما يحمله من رمزية وتناقضات، هو شهادة دامغة على أن الشعوب مهما ضعفت تبقى أقوى من المحتل، وأن إرادة الحياة لا تُكسر ولو اجتمعت عليها أعتى الأسلحة.
وهو أيضًا إشارة واضحة إلى أن المشروع الصهيوني، مهما تضخم بالعدوان والدعم الخارجي، يبقى عاجزًا أمام صمود أمة قررت أن تعيش بحرية وكرامة.
الخاتمة الحاسمة أن ما جرى في غزة ليس مجرد وقف إطلاق نار، بل إعلان فشل استراتيجي لإسرائيل، ونصر معنوي وسياسي للشعب الفلسطيني، ونقطة تحول ستبقى محفورة في ذاكرة التاريخ، تذكّر الجميع أن النصر ليس دائمًا لمن يملك السلاح الأفتك، بل لمن يملك الصمود الأعمق والإيمان الأرسخ.