عامان على الطوفان… دماء غزة تغيّر وجه العالم

نشر 07 أكتوبر 2025 | 11:06

عامان من النار والغبار والجوع، منذ فجر السابع من أكتوبر 2023، حين قررت غزة أن تخرج من تحت الرماد لتقول للعالم: إن الاحتلال لا يُقاوَم بالصمت، وإن الكرامة لا تُؤجَّل.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعرف القطاع إلا الدخان. قصف وقتل  لا يتوقف، موت يتجول في الأزقة، وأصوات انفجاراتٍ صارت أنفاس اليوم والليلة.

دمرت( إسرائيل) البيوت فوق رؤوس أصحابها، فصار الركام وسادة للأطفال والنساء، وصارت الشوارع قبورًا مفتوحة بلا أسماء.

دمرت المستشفيات والمراكز الطبية، فمات الجرحى على الأبواب، وصرخ الأطباء في وجه العجز بلا دواء ولا كهرباء.

دمرت المدارس والجامعات، فغابت أصوات التلاميذ، وحلّ مكانها صدى الانفجارات.

دمرت البنية التحتية، الماء والكهرباء والطرقات، فغرقت غزة في ظلامٍ طويل، ظلامٍ لا يقطعه إلا ومض الصواريخ.

عامان من الإبادة الممنهجة، دفع فيهما أكثر من 67 ألف شهيد أرواحهم، وجُرح 169 ألفًا، معظمهم أطفال ونساء.

آلاف العائلات أُبيدت بالكامل، ومئات الجثامين ما زالت تحت الركام، والعالم يُشيّع صمته كل يوم.

وكلما خرجت دعوة لوقف النار، أجابت (إسرائيل)  بمجزرة جديدة، وكأنها تصرّ على أن يكون الدم الفلسطيني هو البيان الأخير في كل مفاوضة.

اغتالت (إسرائيل)  قادة المقاومة، فاستُشهد صالح العاروري في بيروت، ومروان عيسى في النصيرات، وزكريا أبو معمر، وقائد الحركة الشهيد إسماعيل هنية، والقائد العظيم محمد الضيف؛ ثم في أكتوبر الماضي اغتالت  يحيى السنوار قائد الطوفان.

لكنّ المقاومة لم تنكسر، لأن من يولد في غزة لا يعرف إلا البقاء.

الفكرة التي خرجت من تحت الركام أقوى من الصاروخ، والروح التي عاشت في الحصار لا تموت بالاغتيال.

وفي موازاة النار، كان هناك فجر آخر — فجر التضامن الإنساني.

من نيويورك إلى لندن، ومن باريس إلى كيب تاون وسيدني، خرجت الملايين تهتف لغزة، ترفع الأعلام، وتكسر جدار الصمت.

شعراء وفنانون وحقوقيون جعلوا من غزة مرآةً للضمير الإنساني، وصارت أيقونة الحرية في كل لغات الأرض.

كتبوا عن غزة؛ وبكوا لأجلها، وأبحروا إليها على متن سفن تسعى لكسر الحصار.

عاشوا مرارة الاعتقال من قبل دولة الاحتلال التي هاجمت السفن ومنعتها من الوصول إلى غزة خوفا من تكسر روايتها الكاذبة التي تحاول إقناع العالم بها .

لقد حاول الاحتلال أن يعزل غزة؛  فإذا بها تصبح المدينة الأشهر حول العالم؛ بل وتوحّد العالم حولها.

ولم تكتفِ ( إسرائيل)  بالقتل، بل جرّبت سلاح التجويع.

أغلقت المعابر، منعت الغذاء والدواء، واستهدفت المخابز والمزارع ومستودعات الإغاثة، حتى صار الجوع موتًا بطيئًا.

وفي سبتمبر 2025، ارتقى 453 شهيدًا بسبب التجويع، بينهم 150 طفلًا ماتوا جوعًا وسوء تغذية.

ومع كل هذا الخراب، لم تفقد غزة صوتها.في كل فجرٍ جديد، ترفع الأمهات أيديهن نحو السماء وتقول: “اللهم احفظ ما تبقّى.”

الأطفال الذين ينامون على أصوات الطائرات ما زالوا يرسمون علم فلسطين على الجدران المهدّمة — كأنهم يكتبون وصية الحياة رغم الموت.

لكن شيئًا عظيمًا تغيّر في هذا العالم.الضمير الذي كان غافلًا بدأ يستيقظ.

خلال العامين الماضيين، شهدت غزة موجة تضامن دولي واسعة، حيث نظمت أكثر من 2,500 فعالية احتجاجية ومظاهرة في أكثر من 50 دولة، طالبت بوقف العدوان الإسرائيلي وتقديم الدعم الإنساني.

وبلغت حملات جمع التبرعات عبر المنظمات الإنسانية أكثر من 350 مليون دولار لدعم الغذاء والماء والدواء للمتضررين.

وأصدر أكثر من 120 برلمانًا ومجلسًا محليًا حول العالم بيانات تضامن، شملت دولًا اعترفت بفلسطين مثل السويد، النرويج، إيرلندا، إيطاليا والبرازيل، فيما وقع نحو 5 ملايين شخص عريضة دولية تطالب بوقف الإبادة، ومقاطعة (إسرائيل)  اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا، ومحاسبتها أمام المحاكم الدولية على جرائمها في غزة.

هذه الأرقام تعكس تضامنًا عالميًا واسعًا رغم استمرار الأزمة الإنسانية الحادة.

لقد دمرت (إسرائيل) الحجر، لكنها لم تدمر إرادة الإنسان؛ أطفأت الأنوار، لكنها لم تطفئ الإيمان.

عامان من النار، وغزة ما زالت تنزف وتتنفس وتؤمن أن الغد ممكن، وأن العالم الذي تأخر في الاستيقاظ... بدأ أخيرًا يفتح عينيه.