كشفت خطة ترامب، بما حملته من محاولة لتصفية القضية الفلسطينية تحت غطاء إنساني، هشاشة الاصطفاف الداخلي الفلسطيني، فبينما سعت حماس وباقي الفصائل سريعًا إلى مد اليد لفتح وفتح قنوات تواصل معها لتشكيل موقف موحّد، فضّلت فتح الصمت وانتظار ما ستؤول إليه الأمور.
القراءة التي سيطرت على قيادتها في تلك اللحظة كانت أن حماس غارقة في أزمة وجودية، وأنها ستضطر في النهاية إمّا للانحناء أمام شروط التسوية، أو ليدفعها الرفض نحو مواجهة مكلفة مع الاحتلال.
هذا التقدير جعل فتح تراهن على الوقت بدل أن تخوض غمار اللحظة.
لكنها حين رأت أن حماس نجحت في قلب المعادلة واستثمرت الموقف لفرض صورة صمود وطني، تحركت متأخرة أو حاولت الظهور بمن يتحرك، غير أن السياسة لا تكافئ من يلتحق بالمعركة بعد أن تُحسم نتائجها، بل تسجّل عليه غياب المبادرة وضعف الحضور.
الأكثر مرارة أن خيبة الأمل داخل أوساط فتح من قدرة حماس على الصمود بدت متقاربة - ولو من زاوية مختلفة - مع خيبة الاحتلال نفسه، كلاهما كان يتوقع أن تنهار الحركة أمام الضغط، كلّ لأسبابه الخاصة. كان هذا واضحاً في تصريحات الناطقين باسم فتح ومن يدور في فلكهم.
هذا التشابه في الرهانات يسلّط الضوء على أزمة عميقة: فبدل أن يكون الانقسام مجرد تباين في البرامج، تحوّل إلى انتظار متبادل لهزيمة الطرف الآخر.
ولعل أبرز الأمثلة على هذا التخبط ما صدر عن السلطة الفلسطينية، التي تُعد فتح عمودها الفقري، فقد سارعت إلى الترحيب بخطة ترامب دون تحفظ أو تعديل، وربما حتى قبل قراءتها، رغم أن الخطة نفسها - كما أعلنها ترامب - تستثني منظمة التحرير والسلطة من أي دور في غزة.
المفارقة أن رد حماس، الذي اضطُر ترامب إلى التعامل معه، أعاد ذكر م.ت.ف والسلطة الفلسطينية إلى الصدارة، ومع ذلك تأخر موقف فتح والسلطة في الإشادة والترحيب بموقف حماس، وظهر موقفها كموقف المضطر وعلى مضض.
هذا الموقف لم يعكس فقط ضعف القراءة الاستراتيجية، بل أظهر أن الرهان كان على سقوط حماس حتى وإن كان الثمن تغييب الذات.
وتجلّت ملامح هذا الارتباك أيضًا في الخطاب الإعلامي. الناطق باسم فتح جمال نزال ظهر على غير صورته المعتادة في برنامج ليلة الأمس على قناة المشهد: أقل حدة، أقل مقاطعة، لم يستعمل أسلوبه الاستفزازي المعتاد، كان في وضع دفاعي واضح، وأكثر تقبّلًا لرد حماس على الخطة الأمريكية. باستثناء تحميلها مسؤولية أحداث 7 أكتوبر، تقاطع مع كثير من مواقفها، بل أقرّ بصعوبة إقصائها من المعادلة. التوتر الذي بدا عليه وتردده المتكرر في الحوار عكس حجم الضغوط التي تواجهها حركته بعد تغيّر موازين اللحظة.
لكن هذا المشهد لا يكتمل من دون النظر إلى بعدين إضافيين:
الأول إقليمي ودولي، حيث بدت فتح أسيرة لحسابات وضغوط عربية ودولية خشيت من إغضاب واشنطن أو خسارة مظلة الدعم الخارجي. وهذا جعل قرارها أكثر حذرًا وأقل قدرة على المبادرة.
والثاني شعبي، إذ انعكس التردد على القواعد الجماهيرية التي رأت في موقف حماس تعبيرًا عن الصمود، بينما بدت فتح مترددة، بعيدة عن نبض الشارع، خاسرة جزءًا إضافيًا من رصيدها التاريخي.
خلاصة المشهد أن فتح أضاعت فرصة لتعيد تقديم نفسها كإطار وطني جامع. فهي بدت كمن يراقب بدلاً من أن يقود، وكمن ينتظر سقوط خصمه بدل أن يصوغ معادلة جديدة لمصلحة الشعب الفلسطيني.
فتح تبدو كمن تحاصر نفسها بين رهاناتها الخاطئة على خصومها الداخليين من جهة، وضغوط الخارج من جهة ثانية، لتخرج في النهاية خاسرة أمام الجمهور الذي يُفترض أنه مصدر شرعيتها.
وما لم تعترف الحركة بأن استراتيجيات الانتظار والرهان على فشل الآخرين تقودها إلى فقدان صدقيتها التاريخية، فإنها ستظل أسيرة موقع "المتأخر دائمًا"، بينما يحتاج الفلسطينيون إلى من يملك شجاعة المبادرة ووحدة الصف.
هذا النهج، إذا استمر، لن يقودها إلا إلى الانكفاء التدريجي، لتتحول من حركة وطنية عريضة حملت مشروع التحرر لعقود، إلى مجرد إطار رمزي له مقر وشعار وذكريات، لكنه بلا روح ولا تأثير فعلي في مسار القضية.