الغارة الإسرائيلية على الدوحة: كسرٌ للخطوط الحمراء وإرباك لمسارات التفاوض

نشر 10 سبتمبر 2025 | 20:01

في تطور غير مسبوق، أقدمت إسرائيل على قصف العاصمة القطرية الدوحة في التاسع من سبتمبر 2025، مستهدفة وفدًا من حركة حماس كان يقيم هناك ضمن مسار الوساطات حول وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. لم يعد الأمر مجرد ضربة عسكرية، بل اعتداء مباشر على سيادة دولة خليجية، ورسالة فجّة إلى كل الأطراف بأن تل أبيب قادرة على تحطيم الخطوط الحمراء بلا تردد.

إسرائيل أرادت من هذه العملية أن تثبت أن يدها طويلة، وأنها ستلاحق خصومها حتى لو كانوا يجلسون في قلب عاصمة صديقة للغرب.

الرسالة موجهة للداخل الإسرائيلي لترميم صورة نتنياهو وحكومته التي غرقت في حرب طويلة بلا إنجاز حاسم، وموجهة أيضًا لحماس كي تفهم أن لا حصانة حتى للمفاوضين، وأن أي عملية تفاوض يجب أن تتم تحت النار لا في أجواء آمنة.

لكن ما يجعل الغارة أكثر خطورة هو انكشاف الدور الأمريكي. واشنطن لم تشارك في التنفيذ، لكنها اعترفت بأنها كانت على علم مسبق، وهذا وحده كافٍ لتدمير أي ثقة بوساطتها. فاستهداف وفد المفاوضات بعلم الولايات المتحدة يعني أن ترامب ومبعوثيه طرف في اللعبة لا وسيط. لا يمكن الوثوق بهم، ولا القبول بضماناتهم، لأنهم ببساطة مارسوا الحقارة العلنية.

هذه الإدارة تعودت على التعامل مع العرب والفلسطينيين بمنطق الإملاء: وقّعوا بصمت، واعتبرونا نحن فقط من يقرر.

الآن سقط القناع: مبعوثو ترامب، وهو شخصيًا، مغتاظون من أي طرف يجرؤ على النقاش، لأنهم تعودوا على قيادات من نوعية “وقّع يابن الكلب” و”اعتبرونا حيوانات”.

بهذا السلوك، انتهى ملف الوساطة الأمريكي بالكامل، فلا قطر تستطيع أن تستمر بعد أن تحولت إلى ساحة استهداف، ولا جدوى أصلًا من التمسك بمسار فقد مصداقيته منذ لحظة الضربة.

حماس من جانبها لن تكون مستعدة للجلوس مجددًا في مسار تفاوض تشوبه الخيانة.

الحركة ستتشدد، وربما تفرض شروطًا أعلى أو تعلق المشاركة أصلًا.

النتيجة المتوقعة هي مزيد من إطالة أمد الحرب وتعقيد ملف الرهائن.

أما قطر، فهي في وضع بالغ الحرج: دولة وسيطة تعرضت أرضها للعدوان، وعاصمتها تحولت إلى ساحة مواجهة. هي ستدين وتحتج، لكن استمرارها في الوساطة بالصيغة القديمة بات شبه مستحيل.

الغارة أثارت قلقًا خليجيًا واسعًا. فالرسالة واضحة: لا عاصمة في مأمن. وجود قواعد أمريكية وبريطانية وفرنسية لم يعد ضمانة، بل قد يتحول إلى عامل خطر إضافي إذا تكرر الاستهتار الإسرائيلي بهذه الطريقة. بالنسبة لأوروبا، القلق الحقيقي ليس من القانون الدولي أو السيادة، بل من ارتدادات الحدث على أمن الطاقة والطيران، وهو ما يفسر لهجة بياناتها الباردة.

السيناريو الأقرب في المدى القصير هو تصعيد مضبوط: استمرار الحرب في غزة وتعطيل المفاوضات، لكن دون انزلاق إلى حرب شاملة في الخليج.

أما السيناريو الثاني فهو التصعيد غير المباشر عبر ردود من محور المقاومة في البحر الأحمر أو عبر الهجمات السيبرانية.

السيناريو الثالث – وإن كان ضعيفًا – أن تؤدي الصدمة إلى دفع الأطراف نحو صفقة رهائن بضمانات دولية جديدة، لكن ذلك يتطلب تغييرًا جذريًا في معادلة الوساطة، بعد أن سقطت الدوحة وواشنطن معًا من حسابات الثقة.

الخلاصة أن الغارة الإسرائيلية على الدوحة لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل إعلان صريح بانتهاء قواعد الاشتباك التقليدية، وسقوط وساطة قطر – الولايات المتحدة في لحظة واحدة.

ما جرى له ما بعده، وسيغير الكثير في موازين المنطقة: من مكانة قطر، إلى مصداقية أمريكا، إلى حسابات إسرائيل وحماس.

نحن أمام مرحلة أكثر فجاجة وقسوة، حيث لم يعد هناك مجال للأقنعة أو الادعاءات، بل مواجهة مكشوفة بين قوة غاشمة ووسطاء فقدوا شرعيتهم وشعوب لن تقبل أن تُعامل ك"حيوانات" بعد اليوم.