يطلّ مشروع "E1" الاستيطاني على الواجهة من جديد بعد تجميد دام قرابة العقدين، ليشكل حلقة مفصلية في مسار الصراع مع الاحتلال، كاشفًا عن أحد أخطر المخططات (الإسرائيلية) وأكثرها تأثيرًا على مستقبل الضفة المحتلة ومدينة القدس.
فالمشروع الاستيطاني، الذي يمتد على مساحة شاسعة بين مستوطنة "معاليه أدوميم" والقدس المحتلة، لا يهدف فقط إلى توسيع البؤر الاستيطانية، بل يسعى إلى رسم خريطة جديدة على الأرض، تعزل القدس عن محيطها الفلسطيني وتقطع أوصال الضفة إلى كانتونات منفصلة. هذه الخطوة تمثل حجر الزاوية في استراتيجية تهويد شاملة، تتجاوز الحدود الجغرافية لتطال البنية الديمغرافية والسيادة الفلسطينية.
طرح الاحتلال (الإسرائيلي) فكرة مشروع "E1" لأول مرة في تسعينيات القرن الماضي، ضمن ما يعرف بخطة "القدس الكبرى"، لكن ضغوطًا أمريكية ودولية حالت دون تنفيذه حينها.
عاد المشروع إلى الواجهة مطلع الألفية، مع تصاعد النشاط الاستيطاني في الضفة والقدس، حيث شُقت طرق وأقيمت بنية تحتية تمهيدية في المنطقة رغم الاعتراضات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلا أن الاحتلال ضرب هذه القرارات بعرض الحائط، وعملت الحكومات (الإسرائيلية) المتعاقبة بصمت على التأسيس لهذا المخطط.
وبعد 20 عامًا من التخطيط والهندسة، أعلن وزير المالية (الإسرائيلي) المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، أن مخطط "E1" سيُعرض رسميًا في مؤتمر صحفي لشرح تفاصيل المشروع، الذي يأتي ضمن خطة أوسع تشمل طرح عطاءات لأكثر من 4,000 وحدة استيطانية إضافية في الضفة والقدس، من بينها مستوطنة "أرئيل" في محافظة سلفيت.
إعادة رسم الخريطة الجغرافية للضفة!
يرى خليل التفكجي، الخبير في شؤون الاستيطان، أن مخطط "E1" ليس مجرد توسع عمراني، بل خطة استراتيجية لإعادة رسم الخريطة الجغرافية للضفة بما يلغي أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة.
ويؤكد التفكجي، في حديثه لـ"الرسالة"، أن حكومة الاحتلال المتطرفة تعمل بشكل مكثف لتحقيق أهداف هذا المخطط الخطير، وهو ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس، ما يعزل المدينة عن امتدادها الفلسطيني من الجهة الشرقية للعاصمة المحتلة.
كما تسعى الحكومة (الإسرائيلية) إلى فصل شمال الضفة عن جنوبها، من خلال مخططات استيطانية تمتد على مساحات شاسعة، يسيطر الاحتلال بموجبها على جزء كبير من أراضي الفلسطينيين ويتحكم في حركتهم، إضافة إلى تهجير أعداد كبيرة منهم من مناطق سكنهم، وفق ما تحدث به الخبير في شؤون الاستيطان.
وحذّر من أن تنفيذ المشروع سيحوّل التجمعات الفلسطينية، خاصة في الضفة والقدس المحيطة، إلى "جزر سكانية محاصرة"، معتبرًا أنه "الخطوة الأخطر" في مشروع "القدس الكبرى".
ويقع المشروع في المنطقة الواقعة شرق القدس، بين مستوطنة "معاليه أدوميم" والحدود الشرقية للمدينة، على مساحة تقدر بـ 12 كيلومترًا مربعًا، وتضم أراضي مفتوحة وأخرى مأهولة ببدو الخان الأحمر والتجمعات الفلسطينية الصغيرة مثل العيزرية وأبو ديس والزعيم، ما يجعل تنفيذه تهديدًا مباشرًا لوجودهم.
لماذا تنفيذ المخطط الآن؟
وفق التفكجي، فإن الاحتلال صادق على المخطط، الذي جُمّد لأكثر من 20 عامًا، لأسباب سياسية داخلية، أبرزها الابتزاز السياسي من قِبل المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يخشى سقوط حكومته إذا لم يلبِّ أوامرهم.
ويرى أن الاحتلال استغل الانشغال الدولي بالحرب في غزة وتراجع الضغوط الدبلوماسية، ما سرّع اتخاذ قرار المصادقة على المشروع، إضافة إلى الرغبة في فرض وقائع ميدانية قبل أي تغييرات سياسية قد تفرض تجميد الاستيطان.
وتنفيذ مشروع "E1" سيعني تهجيرًا قسريًا لمئات العائلات، وخنق الحركة بين مدن الضفة، وتحويل القرى المحيطة إلى معازل معزولة اقتصاديًا واجتماعيًا، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني، ومؤشر على نية الاحتلال فرض أمر واقع دائم يمنع أي حل سياسي عادل.
عزل القدس وتكريس السيطرة!
يرى الباحث والمختص في شؤون القدس، فخري أبو ذياب، أن مشروع "E1" يمثل واحدة من أخطر حلقات مخطط تهويد المدينة وتغيير هويتها التاريخية، إذ لن يقتصر تأثيره على الجانب الجغرافي، بل سيمتد ليشمل كل مفاصل الحياة في القدس المحتلة.
وأوضح أبو ذياب، في حديثه لـ"الرسالة"، أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى عزل القدس بشكل كامل عن امتدادها الفلسطيني في الضفة، وتحويلها إلى "مدينة مغلقة" محاطة بأحزمة استيطانية متصلة، بما يمنع أي إمكانية للتوسع العمراني أو التنمية الفلسطينية داخلها.
كما سيعمل المخطط على محاصرة القرى والبلدات المقدسية من الجهات الشرقية والشمالية، وقطع التواصل الجغرافي بين القدس والضفة المحتلة، إضافة إلى إحكام السيطرة الأمنية والعسكرية (الإسرائيلية) على مداخل المدينة ومخارجها.
ويرى أبو ذياب أن المصادقة على المشروع في هذا التوقيت، مع الانشغال الدولي بالحرب على غزة، تمثل محاولة (إسرائيلية) لاستغلال الظرف السياسي لفرض أمر واقع يصعب تغييره لاحقًا، داعيًا إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي عاجل لإفشاله.
وكان سموتريتش قد أكد أن هذه المصادقة "تدفن فكرة الدولة الفلسطينية" و"تُعدّ المسمار الأخير في نعشها"، واصفًا المشروع بأنه "إنجاز تاريخي في مسيرة الاستيطان" ومثال على ما سماه بـ"الصهيونية في أفضل صورها".
كما رحب قادة المستوطنين بالخطوة، إذ اعتبر رئيس مجلس "يشع" الاستيطاني، يسرائيل غانتس، ورئيس بلدية "معاليه أدوميم"، غاي يفراح، أن القرار "يمهد لتطبيق السيادة (الإسرائيلية) على الضفة" ويعزز ما يصفونه بـ"القدس الكبرى".
المصدر: الرسالة نت