في أروقة الكابينت، قدّم رئيس الأركان زامير أرقامًا صادمة تهزّ الأساس الذي بُني عليه القرار الأخير باحتلال غزة وفق خطة “السيطرة العملياتية” من فوق الأرض.
ففي نهاية 2023، تكبّد الجيش الإسرائيلي 122 قتيلًا في مناورة مماثلة داخل مدينة غزة، بينما أسفرت معارك جباليا – المعروفة بـ”خطة الجنرالات” – عن 56 قتيلًا، ورفح عن 55 قتيلًا. حتى عملية “مركبات جدعون” – التي روّج لها الاحتلال كأنجح عملياته – انتهت بـ 40 قتيلًا، رغم أنها لم تحقق مكاسب ميدانية توازي كلفتها، وانتهت بانتكاسات إعلامية أضعفت صورة الجيش.
التحليل العسكري لهذه الأرقام يكشف أن الفارق بين الأسلوبين يتجاوز مجرد التكتيك إلى عمق الإخفاق الاستراتيجي: فالاقتحام السريع للمدن المكتظة لا يعني حسمًا بقدر ما يعني نزيفًا بشريًا في وقت قصير، بينما التقدم البطيء والمنهجي يطيل أمد المعركة ويستنزف الموارد، دون ضمان تحقيق الأهداف السياسية التي عجز الاحتلال عن بلوغها في المراحل السابقة.
المفارقة أن لواء غولاني – وفق تقديرات زامير – قادر على بلوغ ميدان فلسطين في قلب غزة خلال خمس ساعات، لكن الثمن سيكون حرب عصابات مستنزفة بخسائر قد تتجاوز أي عملية سابقة. والأسوأ أن خطة “الاحتلال” لن تُحسم خلال شهرين كما يروّج بعض الساسة، بل قد تجرّ الجيش إلى مستنقع طويل بلا غطاء بشري كافٍ أو شرعية دولية متينة، وهو السيناريو ذاته الذي حاول الاحتلال مرارًا تجنّبه وفشل.
هذه المعطيات تجعل السؤال أكثر إلحاحًا: هل يملك الاحتلال القدرة العسكرية والسياسية على تحمّل هذه الكلفة، أم أن الأرقام وحدها تكفي لكشف أن “خطة الحسم” ليست سوى فخ استراتيجي يعيد إنتاج إخفاقات الأمس بثمن أكبر؟