تشهد الساحة الدولية في الأسابيع الأخيرة موجة غير مسبوقة من التحركات السياسية والدبلوماسية، وسط تصاعد الانتقادات الأوروبية لاستمرار حرب الإبادة والمجاعة في قطاع غزة، وتزايد دعوات الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
في تحرك لافت، دعت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى وقف فوري للحرب الإسرائيلية على غزة، والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وأكدت هذه الدول أن ما يجري في القطاع بات غير مقبول من الناحية الإنسانية، في ظل المجاعة والانهيار الصحي الكامل الذي يشهده القطاع المحاصر.
وجاءت هذه الدعوات في بيانات رسمية ومؤتمرات صحفية عقدها زعماء الدول الثلاث، شددوا خلالها على ضرورة التوصل إلى حل سياسي قائم على مبدأ الدولتين، وإنهاء معاناة المدنيين الفلسطينيين.
وفي خطوة تعد تصعيدًا دبلوماسيًا واضحًا، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده قد تعترف رسميًا بالدولة الفلسطينية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، إذا لم توقف (إسرائيل) عدوانها وتلتزم بمسار حل الدولتين.
واشترطت لندن الاعتراف بالدولة الفلسطينية بتحقيق عدة مطالب، من أبرزها وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات، ووقف الاستيطان، والعودة إلى طاولة المفاوضات. وأشار ستارمر إلى أن الوقت قد حان لإعادة التوازن إلى السياسة الخارجية البريطانية تجاه الشرق الأوسط.
من جهتها، أعلنت فرنسا رسميًا نيتها الاعتراف بدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة المقبلة، في خطوة تاريخية تعد الأولى من نوعها لدولة من مجموعة السبع.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده لن تبقى صامتة أمام ما وصفه بـ"الجرائم المستمرة في غزة"، مشيرًا إلى أن الاعتراف بفلسطين هو جزء من التزام باريس بحل دائم وشامل للصراع.
وقد أثار هذا الإعلان غضبًا واسعًا في (إسرائيل)، حيث اعتبرته الحكومة الإسرائيلية "مكافأة للإرهاب" وتصعيدًا ضد شرعية الدولة العبرية.
دول أوروبية أخرى تلتحق بركب الاعتراف
لم تقتصر التحركات على باريس ولندن، فقد أعلنت عدة دول أوروبية أخرى مثل إيرلندا، إسبانيا، النرويج، وسلوفينيا خلال الأشهر الماضية اعترافها بدولة فلسطين. كما أعلنت مالطا مؤخرًا نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في انتظار التوقيت المناسب لذلك.
وتشير التقارير إلى أن دولًا أخرى، بينها كندا، البرتغال، وفنلندا، تدرس بجدية اتخاذ خطوات مشابهة في ضوء تصاعد الأزمة الإنسانية في غزة.
ردود فعل إسرائيلية غاضبة وتحذيرات من العزلة
في المقابل، عبّرت (إسرائيل) عن غضبها من هذه التحركات، واعتبرت الاعترافات الأوروبية محاولة لفرض تسوية سياسية لا تخدم مصالحها. وقال مسؤولون إسرائيليون إن هذه الخطوات تقوّض "شرعية إسرائيل" وتكافئ حركة حماس، محذرين من أن (إسرائيل) سترد بتوسيع الاستيطان وتعليق التنسيق السياسي مع عدد من الدول.
واعتبرت وسائل إعلام عبرية أن ما يجري هو "تسونامي سياسي" حقيقي قد يؤدي إلى عزل (إسرائيل) دبلوماسيًا، وإعادة تشكيل الموقف الدولي من القضية الفلسطينية بعد عقود من الجمود.
التحركات السياسية والدبلوماسية المتسارعة، لا سيما من عواصم أوروبا الغربية، تشير إلى أن المزاج الدولي بات أكثر تقبلًا لفكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية كضرورة سياسية وأخلاقية، في ظل استمرار المجازر والمجاعة في قطاع غزة.
ويبدو أن (إسرائيل)، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تواجه خطر خسارة دعم دولي تاريخي في حال استمرت في تجاهل المطالبات بإنهاء الحرب والانخراط في حلّ سياسي شامل يضع حدًا لمعاناة الشعب الفلسطيني.