بيت حانون تلك البلدة الفلسطينية الواقعة في خاصرة شمالي قطاع غزة، لطالما تحوّلت إلى ساحة اشتباك وميدان ناري معقد يحصد أرواح جنود الاحتلال الإسرائيلي، عبر عمليات القنص والكمائن والعبوات الناسفة، التي باتت تشكل تهديدًا قاتلًا لهؤلاء الجنود.
ففي مشهد وُصف بأنه "الأخطر والأصعب" منذ بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع، قُتل خمسة جنود وأصيب 14 آخرون، بينهم 2 بحالة خطرة في كمين مركب وقع ببيت حانون مساء الاثنين.
"كمين بيت حانون" لم يكن حدثًا عابرًا، بل شكّل تحولًا نوعيًا في مسار المواجهة، وتفوقًا استخباراتيًا ومهارة عالية في التمويه والتوقيت، أثبت أن المقاومة الفلسطينية ما زالت تُدير المعركة على أرضها بقواعدها، لا قواعد الاحتلال. وفق ما يرى محللون ومختصون
وحسب إذاعة جيش الاحتلال فإن المنطقة التي وقع فيها كمين بيت حانون يسيطر عليها الجيش منذ أشهر واجتاحها أكثر من 6 مرات.
وعن تفاصيل العملية، قالت الإذاعة إن مقاتلي حماس زرعوا عبوات ناسفة ضد الأفراد في المنطقة، انفجرت في قوة راجلة من كتيبة "نيتسخ يهودا" فقُتل 5 جنود وأصيب عدد آخر.
وأشارت إلى أن قوة الإنقاذ التي حضرت إلى المكان تعرضت لهجوم بالصواريخ والرشاشات فوقعت المزيد من الإصابات.
ضربة مركبة
الباحث المختص في الشأن العسكري والأمني رامي أبو زبيدة يرى أن عملية بيت حانون ليس مجرد كمين ميداني، بل هي ضربة مركبة مدروسة بعناية على المستوى التكتيكي وتوقيتها.
ويوضح أبو زبيدة \، أن العملية تأتي تزامنًا مع المفاوضات الجارية في الدوحة، وتحمل رسالة واضحة أن المقاومة لا تفاوض من موقع ضعف، بل من عمق الاشتباك والنار، ومن خلال التصدي للاحتلال.
ومن وجهة نظره، فإن المقاومة اختارت توقيت العملية بعناية، بعد أشهر طويلة من المعارك المتواصلة، وبعد أن ظنّ الاحتلال أنه استطاع استنزاف قدرات المقاومة والحد منها.
ويضيف أن "المقاومة فاجأت الاحتلال بكمين قاتل أدى لمقتل خمسة من جنوده، وإصابة آخرين، بينهم ضابط كبير، في منطقةٍ يُفترض أنها تقع تحت سيطرته".
وتُعيد العملية، وفقًا للباحث أبو زبيدة، تشكيل ميزان المبادرة، وتُؤكد أن الاحتلال ليس من يمتلك اليد العليا العسكرية، بل يُواصل دفع الثمن كلما توغّل أكثر في القطاع.
ويشير إلى أن بيت حانون تعرضت لعشرات الاجتياحات الإسرائيلية منذ بدء العدوان على القطاع، وأعلن الاحتلال مرارًا أنه يسيطر عليها، لكن رغم ذلك، نجحت كتائب القسام في زرع عبوات ناسفة ونصب كمين ناري واستهداف قوات الإنقاذ بهذه الجرأة العالية.
وهذا يعني أن "مفهوم السيطرة لدى جيش الاحتلال هو وهم ودعائي لا أكثر، فالاحتلال قد يتمتد فوق الأرض، لكن المقاومة تحتفظ بالأرض والزمن في يدها".
وباتت بيت حانون، يؤكد أبو زبيدة، تشكل نموذجًا لفشل المفهوم العسكري الإسرائيلي الذي يعتمد على القصف والتجريف والسيطرة، دون أن يُدرك الاحتلال أن من يملك الأرض هو من يستطيع تحويلها إلى فخاخ وكمائن بأي لحظة.
ويؤكد أن ما يُبقي المقاومة صامدة بعد أشهر طويلة من الحرب غير المسبوقة، هو امتزاج الإرادة بالعقيدة، والتكتيك بالمرونة، وقدرة البنية التحتية على الصمود وارتباطها بالروح القتالية لدى المقاتلين.
ويعتقد أبو زبيدة أن "المقاومة تعتمد على شبكة أنفاق ما تزال تعمل، رُغم كل محاولات التدمير الإسرائيلي، نظام عبوات وكمائن متجدد وفعال، فهي تمتلك مقاتلين مدربين على القتال في أصعب الظروف.
ويتابع "واضح أن هناك قدرة مرنة لدى المقاومة على السيطرة وضبط الأمور لديها، وهي تُقاتل بذكاء لا بعدد الجنود ولا بحجم التسليح، وهي بذلك تُعيد تعريف الحرب من معركة كسر حضن إلى معركة إرادة واستنزاف وإرباك دائم".
دلالات وتداعيات
وعن دلالات عملية بيت حانون وتداعياتها، يرى المختص في الشأن العسكري أن العملية أعادت تسليط الضوء على هشاشة الوضع الميداني لجيش الاحتلال، وفتحت تساؤلات مؤلمة في الداخل الإسرائيلي مفادها "كيف يُقتل خمسة جنود في منطقةٍ يُفترض أنه يسيطر عليها؟، ولماذا يُكرر الجيش نفس الأخطاء في كل محور بغزة؟، وإلى متى تستمر الحرب دون نهاية واضحة؟".
وحسب أبو زبيدة، فإن "العملية ستعزز الصغط على حكومة الاحتلال كي تتقدم في صفقة التبادل، لأن الخسائر البشرية المتكررة ترفع كُلفة الاستمرار في الحرب، وتِضعف الموقف التفاوضي الإسرائيلي".
ومن وجهة نظره، فإن عملية بيت حانون ليست ضربة تكتيكية صغيرة، بل تحمل رسائل مفادها أن "المقاومة ما زالت تمتلك الأرض وتُسدد الضربات، من خلال المباغتة والقدرة على مواصلة المعركة بالزخم المتصاعد، وأن الاحتلال مهما أوغّل في التدمير يبقى هدفًا متحركًا في مرمى الكمين القادم للمقاومة".
فشل عسكري
وأما الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا فيرى أن عملية بيت حانون شكلّت رسالة استراتيجية قاسية تُؤكد فشل سياسة الحسم العسكري، وتعكس قدرة المقاومة على إدارة معركة استنزاف ذكية، تُربك الاحتلال في التوقيت والميدان والتفاوض.
ويقول القرا إن العملية النوعية تمثل صفعة في التوقيت والمكان، وتأتي في لحظة حرجة سياسيًا وعسكريًا، وتحمل دلالات عميقة على أكثر من صعيد.
وأبرز هذه الدلالات، أولها أنه يمثل صفعة في واشنطن، حيث يتزامن مع وجود نتنياهو في واشنطن، في زيارة مفصلية تتعلق بمستقبل الحرب وصفقة التبادل، لتأتي الضربة من غزة وتحرجه أمام حلفائه، وعلى رأسهم إدارة ترمب، وتؤكد أن المقاومة ما زالت تملك أوراق القوة.
والدلالة الثانية، تتمثل في استمرارية الفعل المقاوم، إذ جاء الهجوم بعد أيام من عملية مركبة في خان يونس، ليؤكد أن المقاومة ما زالت قادرة على التخطيط والتنفيذ من النقطة صفر، رغم مرور عام وتسعة أشهر على الحرب.
وأما الدلالة الثالثة، تكمن في فضح الرواية الإسرائيلية بعدما ادّعى الاحتلال أنه "مسح" بيت حانون عن الخارطة، لكن العملية من قلبها أثبتت زيف هذا الادعاء، وكشفت عن عجز استخباراتي وميداني كبير.
وحسب القرا، فإن العملية تأتي في ظل شرخ متصاعد بين رئيس الأركان ونتنياهو و"الكابينت"، ما يزيد الضغط على المؤسسة السياسية، ويبرز تآكل الثقة بين الجانبين.
ويوضح أن العملية دليل على فشل عملية "عربات جدعون"، وكشفت هشاشة هذه المنظومة المتطورة، التي عجزت عن رصد التحركات أو منع تنفيذ الهجوم، ما يمثل انتكاسة أمنية جديدة.
ويتابع أن "العملية شكلّت ضربة لمشروع المنطقة العازلة، والتي تحدث وزير الجيش كاتس قبل ساعات فقط عن إقامتها شمال غزة، لكن عملية بيت حانون نسفت هذا الطرح، وأكدت أن اليد الطولى ما زالت للمقاومة".
صدمة مزدوجة
وأما الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة فقال: إن "العملية تسببت في حالة صمت ثقيل داخل المؤسسات العسكرية في تل أبيب، وأعادت إشعال الخلافات بين رئيس الأركان إيال زامير ووزراء اليمين، الذين يتبادلون الاتهامات حول الفشل المتكرر في غزة".
وأشار إلى أن العملية خرجت من بين الركام والدمار في شمال غزة، وأحدثت صدمة مزدوجة داخل أوساط جيش الاحتلال ودوائر صنع القرار.
المصدر: وكالة صفا
وأضاف أن نتنياهو كان في واشنطن يحاول إقناع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدعم إضافي لمواصلة الحرب، بزعم أن النصر بات وشيكًا، لكن جاءت العملية لتُطيح بتلك السردية وتُظهر أن المقاومة لا تزال تملك المبادرة وتتحكم بالميدان.
واعتبر أن الرسالة الأهم من العملية هي أن "لا مفاوضات تمر بينما غزة تحترق وحدها، ولا حرب بلا كلفة"، مؤكدًا أن غزة لا تزال ترسم معادلاتها بالدم والمفاجآت.