في طابورٍ بإحدى مطاحن الحبوب، تقف عناية معروف تحمل بيدها كيسًا ملأته بالمعكرونة تنتظر دورها لأجل طحن المعكرونة وتحويله إلى دقيق، قبل أن يعلن صاحب المطحنة نفاد الوقود والتوقف عن الطحن.
قطعت معروف مسافة طويلة للوصول إلى هذه المطحنة، كي تحظى ببعض دقيق المعكرونة الذي تسد به حاجة أطفالها كي لا يموتوا جوعًا.
ويعاني أهالي قطاع غزة من أزمة إنسانية غير مسبوقة، نتيجة استمرار إغلاق المعابر وتشديد الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال المساعدات الإنسانية والوقود منذ 66 يومًا.
وزاد الوضع سوءًا، بعد إعلان برنامج الأغذية العالمي، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" نفاد مخزون الدقيق، ليدخل القطاع مرحلة شديدة الخطورة، بعد أن شح الدقيق من الأسواق، وارتفعت أسعاره، ما دفع المواطنون للبحث عن بدائل يسدون بها جوع أطفالهم.
شح الدقيق
تقول معروف": "ما في عنا خيارات متاحة، ما هو متوفر كبديل للطحين العادي بنستغله وبنوفر حاجة لأولادنا من الخبز، لأجل سد جوعهم".
وتضيف "أول بدأ الطحين يشح في السوق اشتريت كيسين منه وفكرت بطرق كثيرة لإطالة أمد استخدامه، فعرفت من جارتي بطحين المعكرونة وقربه الكبير من الدقيق العادي فباشرت سريعًا بتجربته".
وتتابع "يعتبر دقيق المعكرونة الأقرب للطحين العادي، لأن الخبز يكون وكأنه دقيق وطعمه مقبول بشكل كبير، ودون معرفتك أنه مصنوع من المعكرونة لا تستطيع تفرقته عن خبز الدقيق الأبيض".
وتشير إلى أنها شعرت بالراحة عندما وجدت طحين المعكرونة قريب من الدقيق الأبيض، بعدما كانت تخشى أن تضطر لطحن علف الحيوانات وتحويله لدقيق كما حدث خلال المجاعة السابقة.
ولا يغيب هاجس عودة المجاعة مرة أخرى عن ذهنها، قائلة: "المجاعة الأولى التي عشناها شمالي قطاع غزة قدرنا أن نتخطاها ونتجاوز كل الصعاب، لأن جسمنا كان لسا محتفظ ببعض المعادن".
وتردف "أما الآن فمع وجود دقيق المعكرونة وفتات الطعام، نحن كصغار وكبار نعاني من الهزال والألم بكافة أنحاء الجسم، ولا طاقة لدينا لخوض فصول مجاعة أخرى".
الموت جوعًا
وأما المواطنة علا أبو حميدان لم تكن بأفضل حال عن سابقتها، فهي الأخرى لجأت لطحن المعكرونة والعدس المجروش، كي تسد حاجة صغارها، بعد نفاد الدقيق الأبيض لديها.
وعن كيفية إعداد خبز المعكرونة، تقول أبو حميدان: "أقوم بنقع المعكرونة مدة لا تقل عن 5 ساعات بماء فاتر، ومن ثم أقوم بتعجينها مع إضافة القليل من السكر والملح وخميرة الخبز، وعندما يصبح قوامها متناسق أضيف عليها ما يعادل كاسة دقيق لكل كيس معكرونة، حتى تتماسك بشكل جيد ويسهل استخدامها وخبزها".
وتضيف "ترددتُ في بداية الأمر، خشية من أن أحظى بخبز غير صالح للاستخدام، إلا أنه كان جيد بشكل كبير".
وتوضح أن الخبز طعمه أفضل بكثير من الدقيق الفاسد الذي يملئ الأسواق، مبينة أنها تجربة جيدة للغاية نحظى بها بخبز قريب بشكل كبير للدقيق الأبيض.
وتؤكد أبو حميدان أنها وكل الغزيين يُعافرون بالصخر، لئلا يموت أطفالهم جوعًا، لذلك يحظون بالقليل من الخبز لوجبة واحدة يوميًا.
والثلاثاء، قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، إن مئات الآلاف من الفلسطينيين بغزة يتناولون وجبة واحدة كل يومين أو ثلاثة، جراء سياسة التجويع التي تواصل "إسرائيل" تنفيذها في القطاع بإغلاقها للمعابر ومنع دخول المساعدات الإغاثية منذ أكثر من شهرين.
ويعتمد 2.4 مليون فلسطيني في القطاع، بشكل كامل على تلك المساعدات، بعدما حولتهم الإبادة الجماعية الذي يواصل الاحتلال ارتكابها منذ 19 شهرًا إلى فقراء، وفق ما أكدته بيانات البنك الدولي.