في الوقت الذي أطلقت فيه المقاومة الفلسطينية في غزة أضخم عملياتها العسكرية منذ نشأتها، لتؤكد للعالم أن الكيان الإسرائيلي لم يعد ذلك الكيان الذي لا يُهزم، وأن زواله أصبح ممكناً أمام إرادة الصادقين، خرجت أجهزة الإعلام الأردنية الرسمية بفيديوهات تتهم فيها "خلايا" داخل البلاد بتصنيع صواريخ وطائرات مسيّرة، تهدد – ( الأمن القومي الأردني ).
توقيت هذا "الإنجاز الأمني" يطرح الكثير من علامات الاستفهام. فهل هو مصادفة أن يتم بثه بعد عام ونصف من معركة غزة، التي هزّت صورة الجيش الإسرائيلي وأظهرت هشاشته أمام مقاومة محاصَرة؟ وأثارت مشاعر جميع الشعوب لنصرة غزة، أم أن وراءه رسالة أعمق، مرتبطة بتثبيت الولاء لدوائر النفوذ الصهيوأمريكية ؟
• ما الهدف من نشر الفيديو؟
الخطاب الذي يقدّمه الفيديو لا يبتعد كثيراً عن رواية إسرائيل في وصف المقاومة بأنها "إرهاب"، وهو ما يعكس تحولاً في عقيدة الأمن العربي، ليس نحو مواجهة الاحتلال، بل نحو احتوائه وتمكينه، من خلال ضرب أي مظاهر دعم للمقاومة، حتى وإن كانت رمزية.
ويعيدنا هذا إلى تصريحات خطيرة أدلى بها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل أشهر، عندما لوّحا بإمكانية "احتلال الأردن" في حال سقط النظام القائم. فهل تسعى السلطة الأردنية من خلال هذه الفيديوهات إلى إثبات ولائها المسبق، وطمأنة الحلف الصهيوأمريكي بأنها "تقوم بما يلزم" لمنع امتداد المقاومة نحو أراضيها؟ أو إمداد المقاومة في الضفة؟
• هل نحن أمام تهيئة لمشهد قمع داخلي؟
من الواضح أن الخطاب الأمني الأردني يتجه نحو شيطنة أي تنظيم أو جماعة قد تشكل دعماً لغزة أو تشارك في معركة الدفاع عن القدس، وهو ما قد يمهد لمرحلة قمع داخلي جديدة تحت غطاء "محاربة الإرهاب" أسوة بما فعله النظام المصري مع الإخوان، لكن السؤال الأهم: هل تدرك الدولة أن مثل هذه السياسة قد تعني استعداء شريحة واسعة من الشعب، المعروف بتأييده الجارف لفلسطين ومقاومتها؟
إذا استمرت هذه المعادلة المختلّة – قمع الداخل حمايةً لإسرائيل – فستكون الأردن أمام تصعيد عشائري وشعبي لا يُحمد عقباه، وربما انهيار تدريجي لمنظومة الحكم نفسها.
• بين الولاء لفلسطين والانخراط في التطبيع
هذه الخطوة ليست فقط تواطؤاً مع العدو، بل تجريد للهوية الأردنية من عمقها العربي والإسلامي، وكأن المطلوب هو خلق جيل يرى في إسرائيل شريكاً أمنياً، وفي من يدعم المقاومة خطراً داخلياً، إنها معادلة مقلوبة تعكس حجم التشويه الذي تتعرض له منظومات الوعي والانتماء في عالمنا العربي.
فهل يمكن اعتبار هذا الفيديو مجرد إنجاز أمني؟ أم هو مقدّمة لخلق رأي عام يقبل بفكرة أن أمن الأردن لا يتحقق إلا عبر حماية أمن إسرائيل؟ وأن أمن الأردن بنزع إرادة من ينصر الحق في مواجهة محتل يسعى لإقامة دولة كبرى ستكون أراضيه جزء منها؟